إغلاق
 

Bookmark and Share

لماذا الوسواس القهري: أسباب الوسوسة القهرية3 ::

الكاتب: أ.د وائل أبو هندي
نشرت على الموقع بتاريخ: 4/12/2010


لماذا الوسواس القهري: أسباب الوسوسة القهرية1
لماذا الوسواس القهري: أسباب الوسوسة القهرية2


ثانيًا: الإمراضية النفسية (السيكوباثولوجيا)، كيف؟! Pychopathology

الحقيقةُ أن الأسباب التي ذكرتها حتى الآن في المقالين السابقين لم تشف لا غليلي ولا غليل القارئ في بيان كيفَ تحدثُ أعراض اضطراب الوسواس القهري، وما هيَ إلا ملاحظاتٌ وقياساتٌ لا نستطيعُ دائمًا إثباتها في كل المرضى، ورغم أن هذا النوعَ من معطيات البحث العلمي (فيما عدا محاولة نظرية التحليل النفسي)، هوَ النوع الأمثلُ للطب النفسي الحديث والذي يعتمد على دراسة الظاهرة بشكل يجعل النتائج المعترف بها لتجربة ما قابلة للتكرار دائمًا لكي تعتبر تجربة علميةً، فإن لم تكن كذلك فهيَ محاولةٌ للفهم وليست محاولةً للشرح، أي أن الطب النفسي الحالي يعترفُ فقط بما يمكنُ قياسهُ وتكرارُ قياسه للوصول إلى نفس النتائج، وهو يتعاملُ مع اضطرابات السلوك البشري بنفس الطريقة المادية التجزيئية التي نتعاملُ بها مع المادة الفيزيقية، وأصحابُ هذا الاتجاه بالطبع لهم عذرهم في ذلك لأنهم يريدونَ اتفاقًا بين الجميع، وهذا ما لا يمكنُ تحقيقهُ ما لم نقصر اتفاقنا على ما نستطيعُ التعامل معهُ ولمسه بالحواس البشرية المباشرة، وأنا هنا لا أريدُ انتقادَ ذلك بقدر ما أريدُ أن أقولَ أن محاولات فهم اضطراب المريض تختلفُ عن محاولات شرح اضطرابه للآخرين، أي أن كلَّ طبيبٍ نفساني يمارسُ عملهُ لابدَّ أن تتكونَ في وعيه تفسيراتٌ مناسبةٌ لإنسانية المريض الذي يعالجهُ، ولن تكونَ هذه التفسيراتُ طبعا قابلةً للتعميم على جميع المرضى بنفس هذا الاضطراب لأن لكل مريضٍ خصوصيتهُ لكن محاولات الفهم بالتأكيد تسعى لذلك، وإن كانَ بلوغه صعبًا عليها بعكس محاولات الشرح المادية التي تعتمد على معطيات التقنيات الحديثة وتتبعُ الطريقة المادية التجزيئية.

قديمةٌ وكثيرةٌ إذن هيَ محاولات الفهم هذه، ولكنني هنا سأتكلمُ عن أشهرها وأكثرها انتشارًا وأقربها شبها لما يمكنُ تسميتهُ بالفرض أو النظرية التي يصعبُ إثباتها مستثنيًا بالطبع ما يخص فرويد نفسه من نظرية التحليل النفسي لأني ذكرتهُ من قبل، والحقيقةُ أن قدرَ الطب النفسي ونقطةَ ضعفه الكبيرة مع الأسف عند مقارنته بفروع الطب الأخرى إنما تكمنُ في تعددية المفاهيم Conceptual Pluralism التي توجدُ ويتعاملُ الأطباءُ النفسيونَ بها مع المرضى في نفس الوقت بينما هذه المفاهيم كثيرًا ما لا يمكنُ الجمعُ ما بينها أو هي على الأقل متنافسةٌ فيما بينها (McGuire & Troisi1998) وهذه المشكلةُ في الحقيقةِ إنما تنبعُ من كون الطب النفسي هو التخصص الوحيدُ الذي يتعاملُ مع جهازٍ بشريٍّ نحنُ أقصرُ ما نكونُ علميًّا عن الإلمامِ بطريقة عمله ألا وهوَ المخ البشري، وفي وضعٍ كهذا تستطيعُ أي نظريةٍ مترابطةٍ فيما بينَ فروضها ومعطياتها أن تشكلَ موضوعًا قابلاً للنقاش والخلاف والاتفاق.

وسؤالنا في هذا المقال والمقال الذي –إن شاء الله- يليه هوَ كيفَ تحدثُ الأحداث العقلية التسلطية (الوساوس) ولماذا تحدثُ في هذا المريض بالذات ولماذا الآن ولماذا تصبحُ تسلطيةً، رغم أنها يمكنُ في فردٍ آخرَ أن تمرَّ عابرةً ولا تسببُ إلا القليل من الضيق العابر، كلُّ هذه أسئلةٌ لم يستطع التقدم العلمي الهائل إجابتها حتى الآن وما لدينا هو على الأكثر مجموعةٌ من التكهنات حول لماذا؟

لعل أول الأمثلة على ذلك هو رأي بيير جانيه (1859- 1949) الذي رأى أن الخلل المركزيَّ في مرضى العصاب الوسواسي إنما يكمنُ في انخفاضٍ مرضي في مستوى الطاقة العقلية ينتجُ عنهُ تفسخٌ في انتظام الوظائف العقلية خاصةً الوظائفَ العليا منها وهي الإرادةُ والانتباه اللتان تمكنان الشخص السليمَ من التحكم في محتوى أفكاره وفي معقولية وفاعلية أفعاله وكذلك من إدراك الواقع المحيط وجعل أفكاره وأفعاله متماشيةً مع ذلك الواقع (Janet ,1908)، وعندما يحدثُ التفسخُ في هذه الوظائف العليا يصبحُ ممكنا للوظائف العقلية الدنيا والثانوية أن تتحركَ لا محكومةً بالضابط العقلي الأعلى وينفكُّ ارتباطها بالواقع كما يضعفُ أو يتلاشى تحكم الفرد فيها، ويتميزُ العصاب الوسواسي في رأي جانيه بفشل الوسائل التي يستخدمها الفرد للدفاع عن نفسه ضد وساوسه وبمجموعة من الاضطرابات العقلية الوجدانية التي سماها جانيه "سماتُ الإرهاق العصبي Psychasthenia" والتي تشملُ: وهناً جسميًّا وعقليًّا، تردُّدًا، وساوس، شكوكًا، خجلاً، ميلاً إلى الاستبطان وأزمات الشعور وكذلك اضطراباتٌ جنسيةٌ (كالعنة والبرودة) وفرط الانفعالية
(1) والحقيقةُ أن عدم وجود مفهوم اللاوعي بشكل واضح في نظرية جانيه هذه أفقدها الكثير من القدرة التفسيرية لكيفية حدوث الأفكار التسلطية أو الأفعال القهرية، وهو ما جعل نظريته التي سبقت فرويد لا تستطيع مواجهة الأفكار السائدة في عصره والمتعلقة بربط الوسواس القهري بالسحر أو بالأرواح الشريرة في الغرب (Kaplan et al.,1995).

ولما كانَ اضطراب الوسواس القهري يبدأُ غالبًا في مرحلة المراهقة ويبينُ على وجه الخصوص بدءًا من اللحظة التي ينبغي على الفرد فيها أن يواجهَ ويحلَّ مشكلات الوجود الأساسية (كالحب، والوجود مع الغير في الجيش أو في الحياة المهنية) فقد رأى ألفريد أدلر وهو واحدٌ من الفرويديين الجدد أن المقصود هو الهروب من الواقع ونقل النضال إلى المستوى غير الواقعي حيثُ يأملُ العصابُ في الانتصار (وجيه أسعد, 2001).

وأما بافلوف وهوَ رائدُ المدرسة السلوكية الغربية في علم النفس فقد كان يرى أن المريض الرهابي الوسواسي Phobic-Obsessive Patient إنما يتميزُ بحساسيةٍ عالية لكل أنواع الأفكار الوسواسية التي تحدثُ للناس جميعًا لكنهم يستطيعونَ وقفها بمجرد اعتبارها غير هامة أو لا قيمة لها بينما المريض الرهابي الوسواسي لا يستطيعُ ذلك بسبب وجودِ خلل في القدرة على تثبيط Impairment of Inhibition ما لا قيمة له من الأفكار أو الأفعال، وفسر بافلوف ثبات الحدث العقلي التسلطي وعدم القدرة على تلافيها من جانب المريض بافتراض وجود نقطةٍ استثارة جامدة أو ذات قصورٍ ذاتي Focus of Inert Excitation والتي تستمرُّ في إحداث استثارةٍ لا هيَ بالقادرة على إقناع المريض بصحة ما تعنيه ولا المريضُ قادرٌ على تجاهلها وتثبيطها لأنه أولاً يعاني من خلل في القدرة على التثبيط (Shaheen & Rakhawy, 1971)، وينطلق بافلوف من رأيه هذا لتفسير سبب اختلاف الحدث العقلي التسلطي عن الفكرة الضلالية Delusional Idea بافتراض أن نقطةَ الاستثارة الجامدة تلك تكونُ في حالةِ الفكرة الوهامية (الضلالية) أقوى تأثيرًا بحيثُ لا يستطيعُ المريضُ تكذيبها ولا يملكُ إلا تصديقها بينما يقتصرُ تأثيرها في حالة الحدث العقلي التسلطي على إزعاج المريض والتسبب في قلقه ومعاناته.

والحقيقةُ أن الأفكار الأساسية لمحاولات الفهم السلوكي للاضطرابات النفسية إنما تنبعُ أصلاً من التجارب على الحيوانات وأصحابها يرونَ كما ذكرتُ من قبل أن الأفكارَ التي تكونُ في البدء عاديةً تتحولُ إلى أفكارٍ مؤلمةٍ أو منفرةٍ من خلال ارتباطها الشرطي بشكلٍ ما مع أحداثٍ مؤلمةٍ ويقدمونَ دليلاً على ذلك تجربةً مشهورةً يذكرونها لشرح كيفية تكون العصاب الرهابي "فلو أنكَ قمتَ بوخز طفل صغيرٍ كلما ظهر كلبٌ أبيض في الغرفة التي يجلسُ فيها الطفلُ وفعلتَ ذلك عدة مرات، لبكى الطفل وصرخ بمجرد رؤيته للكلب دون وخزٍ بعد ذلك"، ثم يفسرون تكونَ الفعل القهري بأن الشخص يكتشفُ بالصدفة أن فعلاً ما يؤدي إلى تخفيف القلق والتوتر الناتج عن الحدث العقلي التسلطي فما يزالُ يمارس هذا الفعل حتى يعادل تأثيرَ الحدث العقلي التسلطي، كما أنهم يفسرون الطقوسَ القهرية بنفس الطريقة ويضيفونَ أيضًا تفسيرهم للسلوك الاجتنابي Avoidance Behavior سواءً في مريض الوسواس القهري أو مريض الرهاب بنفس الطريقة فاجتنابُ المثير المزعج يؤدي إلى تقليل القلق المصاحب للمواجهة ويعززُ السلوك الاجتنابي نفسه بالتالي، كما أنهُ يقلل من فرصة المريض لتغيير اعتقاده عن قدرته على مواجهة الشيء أو عن كون الشيء غير مخيفٍ أو مضرٍ كما يظن، ونفس الكلام ينطبقُ على إصرار مريض الوسواس القهري على ممارسة طقوسه القهرية وخوفه أو اجتنابه لعدم ممارستها.

وهناكَ العديدُ من المشاكل التي تواجهُ هذا النوع من الفهم السلوكي لاضطراب الوسواس القهري لعل أولها هوَ أن معظم الأفكار التسلطية تكونُ منفرةً أو مؤلمةً منذ بدايتها بالنسبة للشخص المعني بمعنى أنها لا تحتاجُ إلى ربطها الاشتراطي بحدثٍ أو خبرة نفسية مؤلمة، كما أن هذا الفهم لا يستطيعُ أن يفسرَ لنا تلك الحالات التي نجدُ فيها أفكارًا تسلطيةً دونَ أن تتكونَ أفعالٌ قهريةٌ كنتيجةٍ لها (Jones & Menzies , 1998)، ثم إذا عرفنا أن ما بين الثمانين والتسعين بالمائة من الناس تصادفهم أفكارٌ اقتحاميةٌ تزعجهم من وقت إلى آخر لكنهم لا يصبحون مرضى باضطراب الوسواس القهري ولا تتكونُ عندهم أفعالٌ قهريةٌ كنتيجةٍ لذلك، فلابد إذن أن يكونَ هناكَ أحد احتمالين، أما الأول فهوَ أن هناكَ اختلافا في خاصية ما للأفكار التسلطية في اضطراب الوسواس القهري تجعلها مختلفةً عن الأفكار التسلطية التي تحدثُ وتمرُّ عابرةً في معظم الناس، أما الاحتمال الثاني فهو أن مرضى اضطراب الوسواس القهري يتعاملون مع أفكارهم التسلطية منذ البداية بشكلٍ مختلفٍ عن الناس العاديين، وهذا هو ما يجعلهم يعانون من اضطراب الوسواس القهري. إن كل ذلك يجعلُ الفهم السلوكي لمنشأ الأفكار التسلطية والأفعال القهرية غير كافٍ لشرح كل الظواهر.

المراجع:

1. McGuire, M. & Troisi, A. (1998) Darwinian Psychiatry. New York: Oxford University Press.
 
2. Janet P. (1908): Les obsessions et la psychiathenie 2nd edition Paris Bailliere, 1908.

3. Kaplan H.I.; Sadock B.J. and Grebb J.A. (1995): Obsessive Compulsive Disorder, In: Synopsis of psychiatry 7th ed. Williams and Wilkins. Baltimore, Maryland, Middle East edition. MASS, P 604.

4- وجيه أسعد (2001): ترجمة المعجم الموسوعي في علم النفس، منشورات وزارة الثقافة السورية، دمشق.

5. Shaheen O. & Rakhawy Y. (1971): A.B.C of psychiatry. Cairo: Al-Nasr Modern Bookshop.page : 65-71

6. Jones ,M.K. and Menzies , R.G. (1998): the relevance of associative learning pathways in the development of obsessive compulsive washing. Behavior Research and Therapy. 36, 273-283.



الكاتب: أ.د وائل أبو هندي
نشرت على الموقع بتاريخ: 4/12/2010