السلام عليكم
أنا امرأة، 31 عامًا قابلتُ امرأةً في العمل أخبرتني ذات مرة أنها شُخِّصت باضطراب الشخصية الحدية. أراقبها أحيانًا بدهشة صامتة. في يومٍ تتحدث عن شخصٍ تُحبه، وفي اليوم التالي تتحدث عن الشخص نفسه بكراهية شديدة، كما لو أن هذا الشعور قد تبدد بين ليلة وضحاها.
أستمع إلى قصصها، إلى الطريقة التي تتجاوز بها الماضي وتتخطى الأمر، وبصراحة، أُعجب بتلك القدرة. أحيانًا أجد نفسي أفكر: أتمنى لو كنتُ مثلكِ...... أتمنى لو أستطيع تجاوز شخصٍ أحببته يومًا بهذه السهولة. لكنني لا أستطيع.
عندما يدخل شخصٌ ما قلبي، لا أستطيع ببساطة محوه منه. أحب بعمق - مهما خيب أملي أو ابتعد عني. قد أنسحب، قد أغادر بهدوء، لكنني لا أستطيع أبدًا أن أكرهه حقًا. كل من أحببته يبقى محفورًا في قلبي إلى الأبد.
أظن أنني شخصية متجنبة بطبيعتي. طوال حياتي، حافظتُ على قلبي محميًا، ومشاعري محبوسة بعناية. لم أفتح ذلك الباب أبدًا لـ أي شخص، مهما حاول. لم أسمح لنفسي قط أن أشعر بشيء تجاه أحد.
لكنه...... كان الوحيد الذي استطاع بطريقة ما أن يتجاوز ذلك الحد. تسلل من كل جدار ووصل إلى قلبي دون عناء. أحببته في صمت. وهذا الصمت ثقيل. شعور بالكاد أستطيع تحمله، ومع ذلك لا أستطيع البوح به.
على عكس طبيعتي، حاولت - قليلاً فقط - أن أتقرب منه، ولكن دائمًا ضمن حدود. لم أكن أريد شيئًا عظيمًا. أردت فقط أن أراه أحيانًا...... أن أتحدث إليه. مجرد وجوده حولي، أو حتى سماع صوته، منحني شعورًا بالراحة والأمان والرضا الهادئ لم أشعر به من قبل مع أي شخص آخر. لكن وجودي لم يكن مرحبًا به.
لذا ابتعدت. وأحيانًا أجد نفسي أتمنى لو كنت مثل زميلتي...... قادرة على تجاوز المشاعر بسهولة. لأن هذه المشاعر تؤلمني أكثر مما أطيق.
هكذا هي الحياة غريبة. وأحيانًا...... أشعر أنها ببساطة غير عادلة.
04/8/2026
رد المستشار
المتصفحة الفاضلة "رزان" أهلا وسهلا بك على مجانين وشكرا على ثقتك، واستعمالك وإن شاء الله متابعتك خدمة الاستشارات بالموقع.
كلماتكِ تحمل دفئاً وعمقاً لمستُهما في كل سطر. من الطبيعي جداً، تحت ثقل هذا الألم الصامت، أن تنظري إلى تلك الزميلة وتتمني لو كان لديكِ "زرٌّ" يمسح المشاعر بضغطة واحدة. لكن الحقيقة الشديدة التناقض هي أن ما ترينه عندها ليس قدرةً صحية على "التجاوز"، بل هو جزء من معاناة نفسية قاسية تُعرف بـ "الانشطار" Splitting؛ حيث يتقلب الشخص المصاب باضطراب الشخصية الحدية بين التقديس المطلق والشيطنة المطلقة للحماية من خوف دائم ومُرعب من الهجران. هو ليس تجاوزاً ناتجاً عن تعافٍ أو سلام، بل هو دفاع نفسي مؤلم للغاية يقطع صاحبه عن الاستقرار العاطفي، على الجانب الآخر، فإن طبيعتكِ أنتِ -التي أشرتِ إلى أنها تميل للشخصية المتجنبة- تعبر عن قلبٍ يحمي نفسه بشدة لأنه يعرف تماماً كم هو صادق وعميق حين يحب.
لكن لدي رؤية من زاوية مختلفة لما تشعرين به فالقلب الذي لا يكره ليس ضعفاً: قدرتكِ على الاحتفاظ بالود وحفظ المكانة حتى بعد الابتعاد خصلة إنسانية نبيلة، وليست عيباً يحتاج إلى الإصلاح. المشكلة ليست في أصل الحب أو الوفاء، بل في الحزن الصامت الذي تركته هذه التجربة داخل جدرانكِ العالية، والاستثناء الذي حدث: عندما ينجح شخص واحد فقط في اختراق كل حصونكِ دفاعاتكِ طوال سنوات، ثم ينتهي الأمر بعدم الترحيب أو القبول، تكون الصدمة أضعافاً مضاعفة مقارنة بأي شخص آخر. لقد وثقتِ به دون أن تتكلمي، وشعوركِ بالأمان معه جعل الرفض يبدو وكأنه تهديد لطبيعتكِ ككل.
وهم التسهيل عند الآخرين: التجاوز السريع الذي ترينه من بعيد قد يبدو مريحاً، لكنه في الحقيقة يحرِم صاحبه من تجربة الحب الحقيقي المتبادل والمتزن. المشاعر لديكِ ثقيلة لأنكِ تختبرين الحياة بصدق، وتتحملين مسؤولية ما يشعر به قلبكِ.
"أن تحبي بعمق وتتألمي، خيرٌ من أن تعيشي في تقلبات حادة تمنعكِ من معرفة الطمأنينة الحقيقية."
الحياة قد تبدو غير عادلة حين يُمنح الأمان لمن لا يقدره، أو حين يُكسر القلب الذي يتجرأ أخيراً على الانفتاح. ولكن كونكِ استطعتِ حب شخص بهذا العمق -حتى لو لم تكتمل القصة كما تمنيتِ- هو دليل على أن داخل تلك الحصون قلباً حياً وقادراً على العطاء والسلام عندما يجد البيئة الآمنة التي تستحقه بحق.
لا تتمني أن تتخلي عن نبل مشاعركِ أو صدقكِ لمجرد أن الألم حالياً أثقل من أن يُحتمل. امنحي نفسكِ وقتاً للحزن، ولتضميد هذا الجرح ببطء، دون أن تقسي على ذلك الباب الذي تجرّأ يوماً وفُتح.
ومرة أخرى أهلا وسهلا بك دائما على موقع مجانين فتابعينا بالتطورات.
وانظري إجابات سابقة منها:
الشخصية التجنبية: الفهم أول الطريق!
الشخصية الانطوائية بل التجنبية
انتهت العلاقة فلا حب ولا صداقة!
انتهت العلاقة وما هي إلا تجارب!