تولي المراكز الاجتماعية والنفسية المتخصصة اهتمامًا كبيرًا بمسألة "ترتيب الطفل داخل الأسرة"، حيث تجد أن هناك علاقة ارتباطية بين مكانة وترتيب الطفل داخل الأسرة وبين حالته النفسية. وتعد حالة "الطفل البكري" من أكثر الحالات خضوعًا لتحليل المختصين؛ لأن معظم الأسر التي لديها أطفال هي بالضرورة أنجبت طفلا بكرا.
وبالرغم من أن كثيرًا من الأسر في مجتمعاتنا العربية والشرقية تفضل أن يكون الطفل البكر ذكرًا؛ فإن الطفل الأول -ذكرًا كان أو أنثى- يظل يحتل مكانة خاصة بالنسبة لمن يأتي بعده من أطفال، ويحظى باهتمام خاص من طرف والديه.
والجانب السلبي في مبالغة الوالدين في رعاية الطفل الأول أنهما لا يتيحان للطفل فرصة الاستعداد للاستقلال عنهما؛ وهو ما يجعل الطفل ضعيف الثقة بنفسه واتكاليًا وغير قادر على مواجهة الصعاب وعلى تكوين علاقات سليمة مع الآخرين.. وإليكم بعض التجارب من واقع الحياة.
أبو البنات
تقول خديجة عبد الكريم -32 سنة- مدينة جدة، السعودية: عندي ثلاثة أطفال، جاء طفلي الأول بعد 3 سنوات من الزواج وفرحنا به فرحًا شديدًا، ولكن بعد فترة قصيرة أصاب زوجي حزن شديد بعد أن رزق الله أخاه بعدد كبير من الأبناء الذكور، ومن هنا أتت غيرة زوجي فقررنا -بعد إذن الله طبعًا- مجيء طفلنا الثاني بالرغم من مرور فترة قصيرة على إنجاب طفلي الأولى، وشاءت الظروف ورزقنا الله بطفلة، ولكن غيرة زوجي لم تنته، ودبت المشاجرات بيننا، وحملت مرة تالية إلى أن رزقنا الله بطفلة أيضا، وهنا بدأ زوجي في معاملة البنات معاملة سيئة في مقابل معاملة حسنة وتدليل لابننا البكري "عبد الله". أما أنا فيعلم الله أنني لم أفرق بينهما أبدًا؛ فالمعزة واحدة، وبسبب هذا التدليل الزائد من قبل الأب لابننا البكري أصبح مدللا كثيرا وظهرت عليه بعض الصفات السلبية.
الطفل البكر الوحيد
وتقول فريدة صلاح -55 سنة- عاملة، القاهرة، مصر: عولجت من العقم لفترة طويلة منذ بداية زواجي امتدت إلى حوالي 6 سنوات وبعدها رزقني الله بطفل جميل أدخل سعادة بالغة على الأسرة بأكملها، وقررنا أنا وزوجي ألا نستخدم وسيلة لمنع الحمل وذلك لسنوات الشقاء التي شاهدناها من قبل، ولكن إرادة الله فوق كل شيء فكان كل مولود بعد ابني الأول يولد ميتا؛ فاحتل ابننا "أحمد" مكانة عالية في الأسرة وبالطبع نحن نبالغ في تدليله ورعايته وتنفيذ مطالبه بسرعة وكأنها أوامر؛ فهذا ابني الوحيد البكري.
الطفل العربي والطفل الأجنبي
وحول شخصية الطفل البكري وتأثير المبالغة في التدليل على سلوكه تؤكد الدكتورة درية عبد الرازق أستاذة علم النفس بجامعة عين شمس أن زيادة الاهتمام والحماية والخوف الأسري يخنق إبداعات الطفل العربي، على عكس الطفل الأجنبي الذي يسمح له بالتجريب وحرية إبداء الرأي واتخاذ القرار، بل ويسمح له بمعايشة كل ما تقدمه التكنولوجيا الحديثة ليتلقى مختلف المعلومات ويتعرض لشتى الاتجاهات، فلا يكون هناك تأثير ضار، على عكس الطفل العربي الذي يتعرض لصراع الإقبال والإحجام ومن ثم التردد والخوف وأثر ذلك على بناء شخصيته.
وأرجعت "الدكتورة درية" هذه الأسباب إلى ترتيب الطفل داخل أسرته، كأن يكون هو الطفل الأول أو الثاني أو الطفل الأخير، أو يكون هو الطفل الذكر بين عدد من الإناث، أو تكون الطفلة هي الأنثى الوحيدة بين عدد من الذكور.. كما قد تتأثر العلاقات بين الطفل وإخوته، وبينه وبين والديه، بالفارق الزمني بين عمر الطفل وأعمار إخوته وأخواته وبما قد يحدث أحيانًا من وفيات بين الإخوة كأن يأتي المولود بعد عدة وفيات.
كل هذه الحالات يترتب عليها علاقات معينة ذات طابع خاص بين أفراد الأسرة وبين الطفل، ودون أن يشعر الوالدان فإنهما يتأثران في تعاملهما مع الطفل بالمركز الذي يحتله داخل الأسرة، وعادة ما يوجه الأبوان اهتمامًا كبيرًا للطفل الأول ويحيطانه بالحب والرعاية وينتابهما القلق إذا ما تعرض لأي مكروه، وقد تبلغ هذه الرعاية درجة مفرطة تحول دون احتكاك الطفل بالعالم الخارجي احتكاكًا يساعده على تكوين خبرات وتجارب خاصة به مختلفة عن خبرات وتجارب الكبار.
ويترتب على ذلك خروج جيل جديد يتميز بسلبيات عديدة من ضعف الشخصية والثقة بالنفس، وعدم المقدرة على مواجهة الصعاب وعلى تكوين علاقات سليمة مع الآخرين.
التنشئة الاجتماعية
أما عن رأي علم الاجتماع في هذا الموضوع فيحدثنا الدكتور عادل فهمي أستاذ علم الاجتماع بجامعة قناة السويس قائلا: لعل أبرز العوامل الناتجة عن ترتيب الطفل داخل الأسرة نمط التنشئة الاجتماعية التي يخضع لها الطفل والتي تلعب دورًا حاسمًا في تحديد شخصيته وفهم سلوكه وضبط وتوجيه دوافعه. فمشكلة الطفل البكري تكمن أساسا في سلوك الأبوين نحوه؛ فالأبوان يحيطان الطفل البكري بعناية تزيد كثيرًا عن العناية التي يحتاج إليها طفل في مثل عمره؛ فهما يستجيبان لكل طلباته ويحققان كل رغباته؛ وهو ما يجعله -في الغالب- أنانيًا يعرف حقوقه أكثر من معرفته لواجباته، وغير قادر على التعامل السليم مع الآخرين تعاملاً قائمًا على العلاقات المتبادلة والأخذ والعطاء.
ونتيجة لجو الدلال المفرط الذي يحاط به الطفل الأول ينشأ خجولاً ضعيف الثقة بنفسه وأمْيل إلى الاتكال على الآخرين وغير قادر على الاستقلال عن والديه، ويصل الأمر ببعض الآباء الذين لهم طفل بكري وحيد إلى أنهم يصبحون غير قادرين على الابتعاد عنه أو مفارقته؛ وهو ما يشكل عقبة أمام نجاحه في الحياة وأمام اكتمال نضجه النفسي والاجتماعي، وقد يستمر هذا الوضع مدى الحياة.
التعاون والتضامن
وينصح الدكتور محمد فضل، أستاذ علم النفس بجامعة الإسكندرية، الآباء في مثل هذا الموقف بالتعامل مع أطفالهم جميعًا تعاملاً يتسم بالعدل والإنصاف وتشجيع الأطفال على التعاون والتضامن، وألا يتدخلوا في حياتهم بطريقة تشعر أحدهم بالغبن أو بأنه غير مقبول أو غير محبوب من طرف والديه.
ومن الطبيعي أن يكون هناك اختلاف بين الأطفال، وعلى الآباء أن يكونوا حذرين وواعين بحيث لا تدفعهم هذه الاختلافات إلى التمييز بين الأبناء والمقارنة بينهم بحضورهم، ولو كان أحد الأطفال ذكيًا والآخر أقل ذكاء، أو كان هذا ذكرًا وهذه أنثى، ويجب أن يدركا أنه إذا كان الطفل الثاني أو الثالث أصلب عودًا وأكثر ثقة بنفسه، فما ذلك إلا لأنه أتيحت له فرص أكثر للاعتماد على نفسه نتيجة قلة تدخل الوالدين في سلوكه وفي كيفية اكتسابه لخبراته وتجاربه من خلال تعامله مع الأشياء المحيطة به ومع الأطفال الآخرين، لا سيما مع أخيه الأكبر منه سنًا، وبالتالي الأكثر خبرة وتجربة.
واقرأ أيضا:
الترتيب في الأسرة وأثره على سمات الشخصية / قناع السعادة الزوجية الزائف