الكاتب عباس محمود العقاد (1889 - 1964)، شاعر ومفكر وناقد، وعاش مشعلا ثقافيا متوقدا في النصف الأول من القرن العشرين، وألف العديد من الكتب التي تجاوز عددها المئة، ويلقب بعملاق الفكر العربي ، وحائز على جائزة الدولة التقديرية (1959). والحديث عنه يطول، لكنه من أبرز المعبرين عن العصامية وسلوك التحدي والإصرار، فهو لم يتخرج من جامعة أو يحصل على شهادات أكاديمية، لكنه إنغمس في حب المعرفة وكان موهوبا في المجالات التي خاض فيها، وأكد أن الموهبة بمكن صقلها مهما كانت الظروف مناهضة لها. تعرفت على كتبه وأنا في المتوسطة، وأصابني هوس جمع ما أستطيعه منها، ومضيت أقرؤها وأعيد قراءتها، ولا تزال بعضها ترافقني، قرأت عبقرياته وإسلامياته، ومنازلاته الأدبية والفكرية مع أنوار عصره، وأشعاره، اقرأ المزيد
أكثر ما يؤلمني في النضج أو التقدم في العمر ليس الشيب، ولا حتى تراجع قدرتنا الجسدية، بل هو ذلك الانطفاء الهادئ والمدمّر لدهشتنا! حين كنا أطفالًا، كان كل شيء حولنا سببًا كافيًا ليفتح عيوننا على اتساعها، وكانت قطرة المطر الأولى كافية لإبهارنا، وكانت زهرة صغيرة على جانب الطريق كافية لنقف أمامها وكأننا اكتشفنا قارة جديدة، لكننا الآن نمر بنفس الأشياء، بنفس الوردة، بنفس المطر، ولا شيء من كل هذا قادرٌ على أن يُثير فينا أدنى درجات الدهشة! ما الذي حدث لنا؟ كيف فقدنا القدرة على أن نندهش؟ كيف تحوّل العالم حولنا إلى شيء مألوف، مكرر، ورتيب، بعدما كان ساحة مليئة بالاكتشافات الصغيرة التي اقرأ المزيد
عندما تتحول الدولة إلى تل رمل فإن الانتصار عليها بعيد، لأنها ستمتص الضربات وتحاول صب الماء على النار. التأريخ يحدثنا عن العديد من الدول التي امتصت الضربات القاسية، وتمكنت من المواصلة والتفاعل النافع مع تبدل الأحوال في عصرها. الضعيف عليه أن يتعلم سياسات تل الرمل، ويختزن طاقات امتصاص الصولات العاتية، وما جرى لبغداد على يد هولاكو (1258)، كان يمثل آليات مغايرة لسياسات تل الرمل، فكانت الرؤية وهمية وذات تصورات خيالية، مستندة على أرضية سرابية من القدرات التأريخية، التي خلعت الواقع وتفاعلت برؤية غابرة لا قيمة اقتدارية لها، فاحترقت بغداد ونجت دويلات تل الرمل من حولها. اقرأ المزيد
«لا تفرح كثيراً، عشان ما تنصدم»، جملة نسمعها كثيراً في مجتمعاتنا، تُقال بنبرة الحكمة ونكهة الخبرة، كأن الفرح جريمة يجب أن نحذر من ارتكابها، أو كأن السعادة فخ منصوب لنا، وعلينا أن نمشي حولها بحذر شديد! متى تعلمنا أن نخاف من الفرح؟ ومنذ متى أصبحت السعادة المفاجئة مصدر قلق بدلاً من أن تكون مصدر بهجة؟ كيف أصبحنا نعيش في حالة ترقب دائم للمصيبة المقبلة، كأننا وقّعنا عقداً مع الحياة ينص على أن لكل فرحة ثمناً سندفعه لاحقاً، وكلما كانت الفرحة أكبر، كان الثمن أفدح؟! كم مرة رأينا أشخاصاً يرفضون الاحتفال بنجاحاتهم، فيخفون فرحتهم، ويستنكرون الضحكة الطويلة، ويقولون بصوت خافت: «الحمد لله، بس ما نبي نفرح زيادة»، كأن الفرح اقرأ المزيد
هم الذين يعرفون كل شيء، ويصدّحون في وسائل الإعلام والمنصات اليوتيوبية، ولسان حالهم يقول: "عندي الخبر اليقين"، وهُم يهذربون ومن عنديات تصوراتهم يسكبون، ويحسبون الناس مغفلين، ويتناسون بأن الجميع حنفشاريون. الكل تعرف، علماء وخبراء ومفكرون وساسة وسادة وأشراف وقادة وأحفاد أنوار الدنيا والدين، فعن أي تحاورات وتفاعلات تتحدثون؟!! ما يدور في قاعات وجودنا حوار طرشان، فالكل لا يسمع والكل يتمنطق بما لا يدري ويحسب أنه الأدرى والأصوب. مجتمعات مبنية على أسس وهمية لا تصمد أمام أعاصير المبتكرات وصولات المخترعات الفتاكة، التي تدري بما لا تدري تلك المجتمعات الدافنة لرؤوسها اقرأ المزيد
على الرغم من كراهيتي الشديدة للزحام أحرص في كل مرة يفوز فيها الفريق القومي على النزول إلى الشارع لأذوب وسط أمواج البشر السعداء، وهي لحظات لا تتكرر في حياة الشعب المصري – حسب علمي - إلا في مثل تلك الظروف، ولذلك فهي لحظات استثنائية ترى فيها الفرحة الحقيقية تغمر الجميع على اختلاف انتماءاتهم واتجاهاتهم وميولهم، وهي الحالة الوحيدة التي تتجمع فيها قلوب المصريين ويتجاوزون إحباطاتهم وهمومهم وأحزانهم ومخاوفهم، حالة من الزحام الاختياري اللذيذ تتوقف فيها حركة المرور دون تذمر أو ضيق أو كلاكسات استغاثة أو سخط على النظام المروري اقرأ المزيد
الجالس في الكرسي وحش فريسته البشر، وهذا سلوك متوارث عبر مسيرة الكراسي المتسلطة على رقاب الناس. فمسيرتها في الأمم متصلة بالسيف وقطع الرؤوس، فلكل كرسي نطع وسيف، والجالس فيه يفتتح يومه بقطع بعض الرؤوس المقدمة إليه صباحا، ليتأكد بأنه السلطان وصاحب القوة والقرار، ويندر أن تجد في التأريخ من تسلط ولم يقطع رأسا، ويتباهى بسفك دماء المقدَّمين إليه على أنهم مجرمون. وفي مسيرة بعض الأمم، الأمثلة متنوعة، فلكل نطعه وسيفه ويتباينون في شدة قتلهم وسفكهم للدماء، وكأنما لا يمكنك أن تكون حاكما إلا بعد أن تستسهل قتل البشر، وتقطع رؤوس مَن يخالفك في أبسط الأمور. فالجالس على الكرسي وحش مفترس، وبسلوك الافتراس يؤكد قوته وسطوته، وقدرته على القبض على مصير الذين من حوله، فمن لا يطيع يتدحرج اقرأ المزيد
قد تستغرب لو قلت لك إن الوحدة ليست شعورًا، بل علاقة شخصية كاملة التفاصيل! نعم، هي كذلك، فهي علاقة بينك وبين ذاتك؛ على الرغم من أنك تحاول دومًا التهرب منها أو إنكارها، فتتصرف عادةً مع الوحدة وكأنها تهمة، شيءٌ تخجل منه إذا اعترفت به، وتتجنب الحديث عنه خشية نظرات الشفقة التي قد تلاحقك بعدها! لكن هل فكرت يومًا أن الوحدة، كأي علاقة أخرى، يمكن أن تكون بنّاءة أو مدمرة، اعتمادًا على طريقة تعاملك معها؟ وهل خطر ببالك أن هذا الصديق الذي نرفض الاعتراف به، قد يكون من أكثر الأصدقاء إخلاصًا لنا، فقط لو منحناه فرصةً حقيقية؟ في كل علاقاتنا نحتاج إلى مسافة من الخصوصية، وإلى منطقة أمان نعود إليها بعد أن تنهكنا الحياة، والوحدة أحيانا تكون ذلك الشيء الذي يوفر لنا تلك المساحة الخاصة التي لا يدخلها أحدٌ سوانا، اقرأ المزيد
ما يؤذي الهدف ويديم استنزافه وتشظيه سيتواصل، وما يدور في وسائل الإعلام الموجهة والمدجنة لتأمين القبض على مصير الهدف، محض كلام للتضليل وإبعاد الأنظار عن مسار التفاعلات القاضية بتأمين تآكل الهدف، وإصابته بالهزال والترنح في أوعية النهايات المرسومة بقسوة وعنفوان. السفينة تتحرك وفقا لِما تحدده البوصلة ويقرره الربان الذي يريد الوصول إلى ميناء النصر المبين، والمحللون يتراقصون بقواربهم فوق الأمواج المتولدة من قوة دفع السفينة لمياه الأحداث في صالون الافتراسات الطغيانية الهائجة. يتصورون ويستنتجون وهم حول صحون المخططات اقرأ المزيد
(زانتيبي وسقراط: بين عبقرية الفيلسوف ومرارة الزوجة) على امتداد أكثر من ألفي عام، ظل اسم سقراط رمزًا للحكمة والتفكير الحر، بينما بقي اسم زوجته زانتيبي محاطًا بصورة نمطية قاسية جعلتها في المخيال الإنساني نموذجًا للزوجة المشاكسة التي لا تكف عن الشكوى والتذمر والإيذاء لزوجها وتسفيه أفكاره وتحقير إنجازاته وعطاءاته . غير أن هذه الصورة التقليدية تستحق إعادة النظر، خاصة إذا حاولنا الاقتراب من القصة من منظور نفسي واجتماعي وإنساني بعيدًا عن الأحكام المسبقة. كان سقراط رجلًا استثنائيًا بكل المقاييس. لم يكن مشغولًا بجمع المال أو بناء اقرأ المزيد




