بعد يومين أبلغ السبعين... لم أعد أعدُّ العمر بالسنوات، بل بالوجوه التي أحببتها، والقلوب التي اقتربت منها، والدموع التي جففتها، والكلمات التي رجوت أن تكون نورًا في عقل، أو سكينةً في قلب، أو رجاءً في نفس أوشكت أن تيأس.
سبعون عامًا... ما أسرعها حين أنظر إليها من هذه الضفة. كأن الأمس كان طفلًا يركض في طرقات القرية، وشابًا يحلم بأن يغير العالم، وطبيبًا يكتشف أن علاج الروح أصعب من علاج الجسد، وأستاذًا يتعلم من تلاميذه بقدر ما يعلمهم، وكاتبًا يبحث عن الحقيقة أكثر مما يبحث عن الشهرة.
لقد علمني العمر أن الحياة ليست سباقًا يفوز فيه الأسرع، بل رحلة يفوز فيها الأصدق.
وعلمني أن الناس جميعًا يحملون جراحًا خفية، وأن الكلمة الطيبة قد تكون دواءً لا يقل أثرًا عن الدواء الذي نكتبه في الوصفات الطبية.
وعلمني أن العلم بلا رحمة يصبح جفافًا، وأن الرحمة بلا علم قد تصبح حسن نية لا يكفي لإنقاذ إنسان.
كلما تقدمت في العمر، انخفض ضجيج الدنيا في أذني، وارتفع صوت الآخرة في قلبي. لم تعد الدنيا تدهشني كما كانت، ولم تعد المناصب تغريني، ولا التصفيق يسحرني، ولا النقد يغضبني، ولا الخصومات تستحق أن أستهلك فيها ما بقي من العمر. أصبحت أبحث عن السكينة أكثر من النجاح، وعن البركة أكثر من الكثرة، وعن رضا الله أكثر من رضا الناس.
وأعترف أنني لم أكن كاملًا يومًا. أخطأت كما يخطئ البشر، وأصبت كما يوفق الله من يشاء. قصرت في أشياء، واجتهدت في أشياء، لكنني –والله يعلم السر وأخفى – ما تعمدت ظلم أحد، ولا تمنيت أذى لإنسان، ولا سعيت إلا أن يكون عملي خالصًا له، وإن خالطه من ضعف النفس ما يخالط أعمال البشر جميعًا.
أنظر اليوم إلى أسرتي فأحمد الله عليها. كانت السند في التعب، والدفء في ليالي القلق، والنعمة التي لا تُشترى. وأسأله سبحانه أن يجعل ما قدمته لهم مقبولًا، وأن يغفر لي ما قصرت فيه معهم.
وأنظر إلى مرضاي، فأرى أنهم لم يكونوا يومًا مجرد حالاتٍ في ملفات، بل كانوا معلمين للحياة. تعلمت من معاناتهم وصبرهم كما تعلموا من علمي، وتعلمت من دموعهم كما تعلموا من كلماتي. وكل مريض دخل إلى عيادتي ترك في قلبي أثرًا، وإن لم يعلم.
وأنظر إلى طلابي، فأشعر أن أعمار الأساتذة لا تُقاس بما عاشوه، وإنما بما يعيش في تلاميذهم من علمهم وأخلاقهم. فإن بقي مني شيء بعد رحيلي، فأرجو أن يبقى فيهم.
ثم تأتي الفكرة التي أصبحت تزورني كثيرًا في السنوات الأخيرة... فكرة اللقاء.
لا أقول الموت، لأن المؤمن لا يرى الموت نهاية، بل بداية. إنها لحظة الانتقال من عالم الشهادة إلى عالم الحقيقة، من الإيمان بالغيب إلى رؤية ما كان غيبًا، من ضيق الدنيا إلى سعة رحمة الله.
لا أخفي أنني أشتاق إلى ذلك اللقاء، لا شوق من ملَّ الحياة، ولكن شوق من أحب الله طويلًا، ورجا أن يلقاه وهو عنه راضٍ.
كم أتخيل تلك اللحظة... حين تنتهي آخر أنفاس الدنيا، وتبدأ أول أنفاس الآخرة.
حين يسقط عن الروح ثقل الجسد، وتنقشع الحجب، ويصبح اليقين مشاهدة.
حين يعلم الإنسان أن كل سجدة لم تذهب سدى، وكل دمعة خشية كانت محفوظة، وكل معروف صنعه كان عند الله مدخرًا، وكل ألم صبر عليه لم يكن عبثًا. هناك فقط، يدرك الإنسان أن الله كان أرحم به من نفسه.
ولعل أجمل ما تعلمته في هذه الرحلة أن الله لا ينظر إلى كثرة الإنجاز بقدر ما ينظر إلى صدق النية. وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى، ثم يجزاه الجزاء الأوفى، وأن العمل الصغير إذا أخلص فيه صاحبه قد يسبق أعمالًا عظيمة خالطها الرياء. ولهذا لم يعد همي أن يذكر الناس اسمي، وإنما أن يذكرني الله فيمن عنده. لم يعد همي أن تبقى صوري، بل أن يبقى أثري.
لم يعد همي كم كتابًا ألفت، ولا كم محاضرة ألقيت، ولا كم منصب شغلت، وإنما كم قلبًا خففت عنه ألمًا، وكم عقلًا أخرجته من ظلمة الوهم إلى نور العلم، وكم إنسانًا اقترب خطوة من ربه بسبب كلمة كتبتها أو نصيحة قلتها.
وإذا كان لي أن أطلب من الله أمنية في بقية العمر، فهي أن يجعل ما بقي خيرًا مما مضى، وأن يزيدني تواضعًا كلما زادني علمًا، ورحمة كلما كثرت خبرتي، وإخلاصًا كلما اقترب موعد لقائه.
وأن يجعل آخر أيامي أجملها، وآخر أعمالي أصلحها، وآخر كلماتي شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
وإذا انقضت الرحلة… فلا أريد من الناس رثاءً طويلًا، ولا مدحًا كثيرًا.
أريد فقط أن يقول من عرفني: "لقد حاول أن ينفع الناس… وكان قلبه معلقًا بالله."
فإن قيلت هذه الجملة بصدق، فقد ربحت الدنيا والآخرة، وما بعد ذلك إلا فضل الله ورحمته.
الجمعة 7 أغسطس 2026 الموافق 24 صفر 1448
واقرأ أيضًا:
العنف المتراكم... كيف يصنع المجتمع قنابله النفسية؟ / الحرب على الطب النفسي… من المستفيد من تشويه الأدوية النفسية؟
