السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
طوال عمري كنت الفتاة المتفوقة.الفتاة التي تحاول أكثر، وتدرس أكثر، وتعمل أكثر، وتضغط على نفسها أكثر. دائمًا لدي هدف بعد الهدف. دراسة بعد دراسة. شهادة بعد شهادة. عمل بعد عمل. كنت مؤمنة بأن لا شيء يأتي بسهولة، وبأن من تريد شيئًا يجب أن تتعب من أجله.
كبرت وأنا أرى الكفاح جزءًا طبيعيًا من الحياة. ربما لأننا كمصريين اعتدنا على ذلك. اعتدنا أن نقلق على الغد، ونحسب كل خطوة، ونفكر ألف مرة قبل أي قرار. اعتدنا أن الاستقرار شيء نركض وراءه، وليس شيئًا موجودًا من الأساس.
وبعد ذلك عملت وسافرت إلى دولة بمفردي. ولو كنت قبل ذلك دابة في الساقية، فقد أصبحت ثورًا يركض فيها بشكل أسرع. ساعات أطول، مسؤوليات أكثر، ضغط أكثر، وقلق أكثر. كلما وصلت إلى شيء أجد نفسي أركض نحو الذي يليه. كلما حققت هدفًا أجد نفسي ما زال أمامي عشرة غيره.
إلى أن دخل حياتي شخص خليجي. وفي البداية، كأي شخص، كان هناك أسئلة ومخاوف وفكرة أننا قادمون من بيئات مختلفة. أعطيت فرصة لمدة سنة وجلس أهلي معه، وتحدثوا معه. وكلنا تقريبًا اتفقنا على شيء واحد: أنه إنسان محترم، مؤدب، وطيب.
فالموضوع لم يعد موضوع جنسية. الموضوع أصبح شيئًا آخر تمامًا. إنه يمشي… وأنا أركض. أركض أركض أركض أركض. أركض لدرجة أنني أصبحت ألهث.
هو يعيش حياته بهدوء وثقة. لديه عمل مستقر، ولديه راحة نفسية تجاه المستقبل. ليس جالسًا يضع ألف سيناريو للكوارث المحتملة. ليس عائشًا وهو مستعد للحرب كل يوم. أما أنا، فأشعر أحيانًا أنني في سباق مستمر مع شيء لا أعرفه ولا أراه ولا أعرف أين نهايته.
وأهلي يرون أن طموحي أكبر من طموحه. لكن كلما أفكر في هذه الجملة، أجد نفسي أسأل: هل حقًا أنا طموحة؟ أم أنا معتادة على الركض؟ لأن هناك فرقًا. أنا لا أريد أن أكون أشهر واحدة ولا أغنى واحدة ولا أن أهز العالم. أنا فقط أريد أن أكون مطمئنة. أريد أن أصل إلى مرحلة لا أكون فيها مرعوبة من الغد.
ألا أكون شاعرة بأن أي غلطة صغيرة يمكن أن تهدم ما بنيته. ألا أكون أحسب كل مصروف وكل سفرية وكل قرار وكأن العالم سينتهي لو أنفقت زيادة قليلًا.
أريد حياة فيها وقت. فيها هدوء. فيها قدرة على أن أجلس مع أطفالي من دون أن يكون ذهني في العمل. فيها مساحة لأعيش بدلًا من أن أظل أستعد للحياة. ولأول مرة في حياتي لا أعرف: هل لو اخترت شخصًا يمشي وأنا معتادة على الركض، سأشعر أنه يشدني للخلف؟ أم يمكن أن يكون هو واقفًا في المكان الطبيعي… وأنا التي ظللت أركض لدرجة أنني نسيت أن المشي العادي يمكن أن يوصل أيضًا؟ يمكن أن السؤال الحقيقي ليس إن كان طموحه أقل من طموحي.
يمكن أن السؤال: بعد كل هذه السنين من الكفاح… هل ما زلت أريد الركض؟ أم أنا تعبت وبحاجة لحياة لا تجعلني ألهث طوال الوقت؟
أم هل لأنني مضغوطة في العمل جدًا وفي حياتي فأرى أنني بلغت حد التحمل؟
كيف أقرر؟ كيف لقرار مصيري كهذا أن يكون في يدي أنا؟ كيف أعرف؟
1/9/2026
رد المستشار
يبدو واضحًا أنكِ غارقةٌ في ضغط العمل....
رغم نجاحكِ، عليكِ أن تتريثي قليلاً وتنظري إلى الأمر من ناحيةٍ أخرى. انظري إلى ذاتكِ كامرأةٍ تبحث عن أسرةٍ مستقرةٍ من خلال ارتباطٍ برجلٍ محترمٍ وإنجابِ أطفالٍ يملؤون حياتكما بهجةً وسرورًا.... لكن ذلك لا يعني أن تتوقفي عن آمالكِ وطموحاتكِ، خاصةً إذا وُجِدَ الرجل الذي سيحميكِ ويقدّر عملكِ....
شيءٌ آخر لا بد وأن يُوضَع في الاعتبار، وهو أن الرضا والقناعة لهما دورٌ كبيرٌ في حياة الإنسان. فطالما أنتِ مقتنعةٌ بما أنتِ فيه من عملٍ وناجحةٌ في الوقت نفسه، فحاولي أن تخففي من الضغط على نفسكِ ولو قليلاً، حتى تنظري إلى ما حققتِيه في مسيرة عملكِ من أشياء قد لا يحققها الآخرون....
ويبدو أنكِ من النوع الموسوس قليلاً والمدقق في كل صغيرةٍ وكبيرةٍ، وهذا نوعٌ من القلق المجهد. خففي من ذلك حتى تشعري بالاطمئنان والهدوء.... لن ينتهي العالم ولن يُهْدَم ما بنيتِيه خلال مسيرة عملكِ.
لاحظي ما ورد في رسالتكِ عن (هو)؛ فحياته هادئةٌ وعمله مستقرٌ وراحة باله موجودةٌ في نظرته إلى المستقبل.... بمعنى آخر: الرضا والقناعة والتوازن في أخذ أمور الحياة، بينما يبدو العكس تمامًا معكِ كما ورد في رسالتكِ....
فعلاً أنتِ طموحةٌ وهذا حقٌّ مشروعٌ لكِ، ولكن لنفسكِ أيضًا حقٌّ في أن تكون هادئةً ومطمئنةً....
لا ترتعبي من الغد، لن يحدث إلا الشيء الجميل إذا أعطيتِ نفسكِ حقها في الراحة والهدوء.... هل وصلت الرسالة لكِ الآن؟ الرضا والقناعة.... بالتوفيق.واقرئي أيضًا:
مدمنة عمل وتطوير وتدقيق وتقارير
زملة الاحتراق الوظيفي: هل العمل لأجل العمل؟
أسطورة الشغف في بلاد القشف!