تمهيد "طويل سيكا":
فكرت -ولوقت ليس بالقصير- أن أخصص جزءً من وقتي للكتابة بالعربية عن المخدرات وأضرارها وعن أثرها المدمر على الفرد والجماعة والمجتمع، وكلما هممت لأمسك بتلابيب قلمي ألهتني مشاغل الحياة وهمومها عن ذلك. وإني لا زلت على تلك المراوحة تتقاذفني أمواج الحياة تارة تقربني من القلم وتارة تطيح به عني، لكني كنت على يقين تام بأن اللحظة ستأتي، وإن وهن الجسد وانشغل البال... لا محالة ستأتي... وأظنها الآن أتت... فأهلا بها أينما حلت ورحلت واستقرت.
ولأني عاشق متيم بـ أم كلثوم "ست الكل" منذ زمن، أجدني -ومن دون وعي مني- أبدأ حديثي عن المخدر الأشهر هذه الأيام، ولا أنفك أحدث نفسي عن رائعة الشاعر أحمد رامي "حيرت قلبي معاك"، والتي بتصرف مني سميتها "حيرت عقلي معاك" لأراها أبلغ تعبير عن الحالة العجيبة التي يحدثها هذا المخدر الرهيب الخطير المريب، وكيف إنه يتحايل على عقل صاحبه فيفقده الاتزان مرة والقدرة على الإدراك والحكم مرات ومرات فيمسي إلى حين شبح إنسان بعد أن كان حديث القاصي والداني.... ولله الدوام.
حديثنا اليوم عن مخدر الميثامفيتامين، أو ما يعرف شعبيا بـ الأيس "الشابو/ الكريستال/ الميث/ الكريستال ميث"....
تعالوا معا نتعرف عليه لنعرفه ونفهمه ونخاف منه فنواجهه... هذا المخدر "الرعب" الذي نعيشه هذه الأيام ويعيش معن....
البداية:
منذ عقد ونصف أو يزيد قليلا، طالعت خبرا يتحدث عن نوع جديد من المخدرات يشبه قطع الثلج أو حبيبات "سكر النبات" ولكن بحواف حادة وغير منتظمة، يطلق عليه متداولوه اسم "الشابو" وقد عثر عليه بحوذة ثلة من الشباب "الصعايدة" تحديدا من محافظة قنا، وقد عادوا لتوهم من عملهم بدولة الكويت لقضاء إجازة سنوية قصيرة. كان جلهم من طائفة "المعمار"، وهي مهنة تعتمد على القوة الجسدية والتحمل لظروف العمل الصعبة لكسب قوتهم بكل شرف.
وقتها لم يستوقفني الخبر كثيرا لاعتقاد خاطئ ينتشر بين كثير من المتخصصين في مهنة علاج الإدمان، وهو أن مرضى الإدمان المصريين -عبر التاريخ- لا يعشقون المخدرات ذات الطبيعة المنشطة او المحفزة "مثال: الكبتاجون- الكوكايين- وأيضا الشابو"، وإننا كمصريين مخلصون وعاشقون تاريخيا وشعبيا ووجدانيا للمخدرات المثبطة، والتي"بتخلينا نفصل وننسى" على رأي أحدهم "مثال: الحشيش- الأفيون - الخمور - الترامادول". كان ذلك اعتقادا خاطئا ولاحقا اكتشفت أنه كان ساذجا جدا وإلى حد بعيد.
سبب آخر جعلني لأ أعير الأمر الاهتمام الذي يستحقه، وهو إن ذلك يعد أمرا طبيعيا ومتوقعا إلى حد كبير لظاهرة بشرية اجتماعية وهي التفاعل بين الثقافات المتقاربة وأيضا القريبة مكانيا وزمانيا، وبالطبع لا تعد المخدرات استثناء من القاعدة. فرغم كون الشابو "الأيس" غريبا عن البيئة المصرية بنيويا واقتصاديا واجتماعيا وأيضا سياسيا -وهو ما سيأتي تفسيره في مناسبات لاحقة- إلا أن تجربة أنواع جديدة وغير متداولة من المخدرات هي واحدة من السمات الأساسية في الوعي الفردي والجمعي للمتعاطين، ونادرا ما نصادف في مهنتنا أحد المرضى وقد جعل نفسه أسيرا لمخدر واحد بداية وانتهاء، بل إن العقل "الإدماني" غالبا ما ينتقل من مخدر لآخر في رحلة البحث الماراثونيةللعثور على ضالة لن يصل إليها، ونادرا ما يحط الرحال في رحلة الشوق والعذاب نحو مصير مؤلم لكنه محتوم إذا لم يقرر التغيير، وذلك شأن آخر.
تطور النشأة وأسباب الظهور في مصر:
باعتقادي لا يمكن فهم ظروف النشأة وتطور انتشار مخدر الشابو في مصر بمعزل عن مناظرة الأوضاع الداخلية السياسية والاجتماعية والاقتصادية خلال الـ 15 عاما الأخيرة، وكذلك الوضع العالمي المتمثل في ثورة الاتصالات والتواصل الاجتماعي الذي أنتج سيولة غير مسبوقة في تبادل الثقافات عبر الفضاءات المختلفة، وتزامن ذلك مع حلول جائحة كورونا بكل تداعياتها الاجتماعية والثقافية والنفسية وكذلك الاقتصادية.
دعونا نرجع بالزمن قليلا، في أعقاب ثورة يناير 2011، وما تلاها من أحداث أمنية وسياسية ومتغيرات اقتصادية واجتماعية نتج عن ذلك تفاعل مباشر لقطاعات ديموغرافية عديدة في مصر وعلى رأسها فئة الشباب. ترافق ذلك مع القرار الصادر عام 2012 عن وزير الصحة المصري آنذاك بإدراج عقار الترامادول "نجم الفترة من 2000 إلى 2015" ضمن أدوية الجدول الأول للمخدرات، مع قصر صرفه على المستشفيات وسحب تداوله من الصيدليات الخاصة، وما تلاه من تشديد القبضة الأمنية لوزارة الداخلية على شبكات التهريب والبيع والتداول ومصانع "بير السلم" ما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في سعر حبة الترامادول، حيث تجاوز سعر الحبة الـ 200 جنيه بين المتعاطين، بعد أن كان ثمنها لا يتجاوز بضع جنيهات، ما نتج عنه انحسار كبير وغريب في أعداد متعاطي الترامادول وبخاصة بين فئات الشباب من فئة العمال "الفواعلية" أو السائقين، وتحول عدد منهم إلى أنواع أخرى أكثر خطورة كعقار الليرولين ومخدر البيسة والهيروين وغيرها، بينما قرر قطاع كبير منهم الاتجاه لطلب العلاج ، وربما كانت تلك إحدى الحسنات "المخفية" لهذا القرار.
كل ذلك والنار تحت المرجل، إلى أن بلغت الأمور ذروتها بحلول جائحة كورونا أواخر عام 2019 ، والتي عصفت بمقادير الكوكب كله على مدار ثلاث سنوات، وقد يمتد أثرها لعقود قادمة، حيث توقفت التجارة البينية تقريبا، وبدأ الناس في التفكير في بدائل غير تقليدية لنقل البضائع وتبادل الخدمات. ولأن تجارة المخدرات لا تمثل استثناء للقاعدة فلقد جرى عليها ما جرى على غيرها؛ فعلى سبيل المثال -وليس الحصر- قبل الجائحة كانت رحلة مخدر الأفيون ومشتقاته تبدأ من آلاف الهكتارات المزروعة بنبتة الخشخاش في ولايتي هلمند وقندهار بأفغانستان مرورا بمسارات التهريب بجبال إيران الوعرة حتى يصل إلى مستهلكه النهائي في أوروبا وأمريكا.
مثال أخر هو أقراص الكبتاجون "أحد أسلحة نظام بشار الأسد في مواجهة أعدائه الخارجيين" والذي كان يتم تصنيعه بكميات خيالية وبمباركة أو غض طرف من النظام السوري السابق ليصل إلى لبنان "حزب الله" ليسافر عبر شحنات الخضروات والفاكهة المصدرة للخليج ليصل إلى زبونه المفضل من الشباب والمراهقين في دول النفط الغنية، وفي نصف الكرة الأرضية الغربي يحبو مخدر الكوكايين ليمضي خطواته الأولى منطلقا من كولومبيا مخترقا شبكة من الطرق الخطيرة لآلاف الأميال عبر المكسيك، والمراقبة -دون جدوي- عبر الأقمار الصناعية ليصل إلى زبائنه المتلهفين له في ولايات الغرب والجنوب الغربي في أمريكا.
كل هذه المسارات وغيرها-وبقدرة قادر-ومن دون طلقة واحدة أو قطرة دماء واحدة توقفت خلال الجائحة. تبع ذلك -بحكم الحاجة-نموا مذهلا وغير مسبوقا للتجارة الالكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي، ليظهر ما كان لا بد أن يظهر لاحقا وهي "المخدرات التخليقية أو المصنعة"، وفي القلب منها نجم مقالنا هذا "الشابو" أو "الأيس". هذه الأنواع من المخدرات التي لا تحتاج أراض شاسعة لزراعتها ولا عمالا لجمعها وتخزينها ولا شبكات تهريب تقليدية مكلفة لإيصالها من منبعها إلى منافذ بيعها وأماكن استهلاكها.
قد يظن البعض أننا نعيش هذه الأيام في عين العاصفة لظاهرة المخدرات التخليقية، وإن كنت أكثر تشاؤما باعتقادي إن الأسوأ لم يأت بعد.... ولدي من الشواهد والدلائل لاستند عليها في اعتمادي لتلك الرؤية القاتمة.
إلى هنا انتهى الجزء الأول من مقالي عن مخدر الشابو "الأيس": حيرت قلبي معاك... عرضت فيه المقدمة وملابسات وأسباب النشأة وتطور ظهور هذا المخدر في مصر- حسب رؤيتي.
في الجزء الثاني سأتحدث عن الأثر المباشر على متعاطي الشابو طبيا واقتصاديا واجتماعيا، وكذلك المآلات والعواقب المتوقع حدوثها على الفرد والأسرة، والمجتمع عامة، وهي بالمناسبة فريدة في كل تفاصيله... سأحاول من خلاله تشريح الموقف الحالي والنظر بعين الواقع مرة والراجي في رحمة الله مرة أخري للمستقبل وما قد تؤؤل إليه الأمور مع هذا المخدر المرعب، الذي -وبلا شك- حير عقلي معاه... إلى اللقاء.
واقرأ أيضًا:
توهم المرض: اضطراب قلق المرض / إدمان الكبتاجون / إرادة الإنسان في علاج الإدمان
