السلام عليكم
أنا امرأة 25 سنة أصغر إخوتي وتزوجت منذ سنتين، أنا ضائقة الصدر جدًا؛ أمي تجعلني أكره حياتي منذ اليوم الذي ولِدتُ فيه. أنا شخصية لطيفة واجتماعية وجيدة مع الناس، ولم تكن لديّ خلافاتٌ قط، لا في المدرسة، ولا مع صديقاتي، ولا مع أقاربي، وهذا بشهادة الجميع، ولا في أي علاقة دخلتُها حتى.
أمي تكرهني بشكلٍ غير طبيعي وغير مبرر، لدرجة أنني في أوقاتٍ أشُك في أنني قد لا أكون ابنتها مثلاً. طبعًا هناك تفرقة في المعاملة بيني وبين إخوتي، وتُعَلِّق على النفس الذي أتنفسه وتَعترِض على أي شيء أفعله أو أقوله. هي تضعني دائمًا في مقارنة معها، وكأنني لو كنتُ جيدة فهذا ينقص منها، وللعِلم أمي تبلغ من العمر 68 سنة وأنا 25 سنة، أي إنها ليست صغيرة مثلاً لتريد الشعور بنفسها.
أنا آخر أطفالها، وتفعل ذلك في أي فرصة بيننا أو أمام الناس، ولا بد أن تُقَلِّل مني، ولو فعلتُ أي شيء لا بد أن تتندر وتُقَلِّل منه وتقول إنها أفضل. لو جئتُ لأتحدث في أي شيء فهي ستتشاجر معي أَيًّا كان ما أقوله. لستُ متزوجة حديثًا وتظل تتحدث عني بسوء أمام زوجي، وعن أنها أفضل وأبهر وأجمل. طبعًا طوال الوقت في شجار، ولو رددتُ عليها أو وضعتُ لها أي حدود تشتم وأُضرَب. 90% من الوقت تكون الشجارات كلها وهمية؛ إما تَقَوُّلِي كلامًا لم أقله، أو افتعال موقف.
أكون بمفردي في غرفة وهي في غرفة، وأول ما يعود والدي من الخارج تتظاهر بأنها حزينة، فيجلس يتحايل عليها ليعرف ما بها، ثم يأتي وينهار عليّ صراخًا.
أصبحتُ أكرهها، أكره رؤيتها، أكره صوتها، وأكره كل شيء تقوله لي. أنا حتى أكره نفسي، كل حلمي أن أعود من خارج البيت وأول ما تراني تقول لي: «كيف حالك؟» أو حتى أراها مبتسمة. أنا إما أسمع نقدًا بصراخ وكلامًا سيئًا (مثل: «ما هذه الخلقة وهذا المنظر الذي أنتِ فيه؟»، «هل تظنين نفسكِ جميلة هكذا؟»، أو طبعًا التحسّب عليّ دون سبب فور دخولي من البيت).
أكره نفسي وأكرهها، وأسلوبها مؤثر على زواجي جدًا؛ لديّ حساسية من أي نقد، وطوال الوقت أشعر أنني لستُ كافية، وطوال الوقت أشعر أنه بالتأكيد هو الآخر يراني سيئة كما تراني هي.
وللأسف أنا عدتُ للعيش معها بسبب سفر زوجي؛ أنا أبتعد عنها لدرجة أنني قد أظل في غرفتي لأيام، وأيضًا لو خرجتُ فقط إلى الحمام أسمع الأسلوب نفسه، ودائمًا لو راجعها أحد في أفعالها تقول إنها حرة، وأن من حقها قول ما تريد، وأنها على حق.
وأنا أعيش معها كنتُ حاملاً ولم أكن قادرة على إخبارها؛ لأنها ستظل تجعل نفسها محور الموضوع وأنا كنتُ متعبة، وللأسف أجهضت الحمل في الشهور الأولى. كنتُ مستلقية في الفراش لأيام ولا أحد يعلم ولا أحد يكترث، والدم وصل إلى الفراش وكنتُ متعبة جدًا.
أول مرة قررتُ الخروج وتراني اعترضت على ملابسي التي ليست جديدة ودائمًا أرتديها بحجة أنها قصيرة جدًا، وظلت تصرخ وتنهار بسبب كيف أقول لها: «لا تشغلي بالكِ بملابسي، أنا بخير».
لا أعلم لماذا أقول كل هذا، لكنني تعبتُ تعبتُ، وأشعر أن عمري كله ذهب في تحمل أسلوبها؛ طفولتي ذهبت في تفادي أن تصرخ بوجهي،
ومراهقتي ذهبت في محاولة كسبها، وحتى بيتي يفسد بسبب أنني لم أعد واثقة بنفسي.
12/9/2026
رد المستشار
"أحلام"، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
قرأتُ رسالتكِ كاملة، وأكثر ما لفتني فيها أنكِ لم تكوني تبحثين طوال هذه السنوات عن الانتصار على والدتكِ، بل كنتِ تبحثين عن شيء بسيط جدًا: أن تشعري أنكِ ابنتها، وأن تنظُر إليكِ مرةً بمحبة ورضا، وأن تسمعي منها كلمةً طبيعية مثل: «كيف حالك؟». وهذا يوضح حجم الحرمان العاطفي الذي عشتِه، وليس ضعفكِ.
أريد أن أقول لكِ أولًا شيئًا مهمًا جدًا: أنتِ لستِ مطالبة بإثبات أنكِ جيدة حتى تستحقي الاحترام. وكون والدتكِ تنتقدكِ أو تقلل منكِ أو تقارنكِ بها لا يعني أن تقييمها لكِ هو الحقيقة.
من وصفكِ، يبدو أن العلاقة بينكما أصبحت دائرة متكررة: والدتكِ تستفز أو تنتقد أو تفتعل موقفًا، فتتألمين وتدافعين عن نفسكِ، ثم يتحول الأمر إلى شجار، وبعده تشعرين بالذنب والغضب وتزدادين ابتعادًا، ثم تحاولين مرة أخرى أن تحصلي على قبولها. وكلما حاولتِ أن تكسبي رضاها أكثر، أصبح مزاجها وتقييمها أكثر تأثيرًا في صورتكِ عن نفسكِ.
والأهم أن ما يحدث أمامكِ الآن لم يعد مجرد «اختلاف بين أم وابنتها». أنتِ تقولين إن هناك شتائم وضربًا وإهانة متكررة، وهذا أمر لا ينبغي تطبيعه أو تبريره تحت مسمى «هذه أمي» أو «هي حرة في أن تقول ما تريد». صلة الرحم لا تعني أن يسمح الإنسان بإيذائه أو بإهانته.
كذلك أريد أن أتوقف عند جملة مهمة جدًا قلتِها: «أكره نفسي وأكرهها»، وقولكِ إنكِ أصبحتِ شديدة الحساسية تجاه أي نقد، وتشعرين أن زوجكِ بالتأكيد يراكِ بالطريقة نفسها التي تراها بها والدتكِ.
هنا توجد نقطة تحتاج إلى العمل عليها بجدية: يبدو أن صوت والدتكِ أصبح مع الوقت صوتًا داخليًا بداخلكِ. أي أنكِ لم تعودي تحتاجين إلى وجودها لكي تنتقدكِ؛ أصبحتِ أنتِ أحيانًا تقومين بالمهمة نيابةً عنها.
إذا قال لكِ زوجكِ ملاحظة بسيطة، قد لا تسمعين مجرد ملاحظة، وإنما تسمعين في داخلكِ: «أنا سيئة..... أنا غير كافية.... أنا لا أُعجب أحدًا». وهذا لا يعني أن زوجكِ يفكر بهذه الطريقة، وإنما يعني أن تجاربكِ السابقة جعلتكِ شديدة الحساسية تجاه الرفض والنقد.
لذلك فالهدف الآن ليس أن تقنعي والدتكِ بأنها مخطئة، ولا أن تدخلي معها في معركة لإثبات أنكِ أفضل منها. الهدف أن تستعيدي أنتِ حقكِ في تعريف نفسكِ بنفسكِ.
ماذا تفعلين عمليًا؟
أولًا: توقفي عن محاولة الحصول على الاعتراف الذي لم تمنحكِ إياه طوال سنوات. ليس معنى ذلك أن تتوقفي عن حب والدتكِ أو أن تعاديها، وإنما أن تتوقفي عن انتظار أن تأتي منها فجأة الجملة التي ستصلح كل ما انكسر داخلكِ.
قولي لنفسكِ: «أنا أتمنى أن تحبني أمي بالطريقة التي أحتاجها، لكنني لن أجعل سلامي النفسي متوقفًا على قدرتها على فعل ذلك».
ثانيًا: ضعي حدودًا قصيرة وواضحة، ولا تدخلي في نقاشات طويلة. مثلًا عندما تنتقد شكلكِ: «أنا راضية عن شكلي، ولن أناقش هذا الموضوع» وعندما تبدأ في إهانتكِ: «إذا كان الحديث بهذه الطريقة فسأنسحب من الحوار». ثم انسحبي فعلًا. لا تشرحي كثيرًا، ولا تحاولي إقناعها، ولا تردي الإهانة بإهانة؛ لأن الهدف من الحدود ليس أن تجبريها على التغيير، وإنما أن تحددي ما الذي ستفعلينه أنتِ عندما يحدث التجاوز.
ثالثًا: في حالة الضرب تحديدًا، الأولوية للأمان. لا تدخلي في مواجهة جسدية معها، وإذا كان هناك احتمال حقيقي لتكرار الضرب، فابتعدي عن المكان وقت التصعيد، واطلبي دعم شخص بالغ موثوق من الأسرة، والأهم أن يكون لديكِ مكان آمن يمكنكِ اللجوء إليه إذا احتجتِ.
رابعًا: وجودكِ معها الآن بسبب سفر زوجكِ يبدو أنه أعاد فتح جروح قديمة بقوة. لذلك إذا كان بالإمكان ترتيب إقامة أكثر استقلالًا وأمانًا أثناء سفر زوجكِ، حتى ولو لفترة مؤقتة، فقد يكون ذلك مفيدًا جدًا لكِ. المسافة أحيانًا لا تكون عقوقًا؛ قد تكون وسيلة لحماية العلاقة من الانفجار المستمر.
خامسًا: لا تجعلي علاقتكِ بوالدتكِ تتحول إلى معيار لعلاقتكِ بزوجكِ. زوجكِ شخص آخر، وليس نسخة من والدتكِ. عندما يقول لكِ ملاحظة، اسألي نفسكِ قبل أن تتألمي: «هل قال فعلًا إنني سيئة؟ أم أنني سمعتُ في كلامه صوت أمي؟» هذه الجملة وحدها قد تساعدكِ كثيرًا.
سادسًا: ما مررتِ به أثناء الحمل والإجهاض مؤلم جدًا، خصوصًا أنكِ كنتِ تعانين جسديًا ونفسيًا وتشعرين بأنكِ وحدكِ. ولا أريد أن أحمّلكِ مسؤولية ما حدث أو أجعلكِ تفسرينه على أنه نتيجة مباشرة لما حدث مع والدتكِ. لكن التجربة نفسها تحتاج إلى مساحة للحزن؛ فقد فقدتِ حملًا، وفي الوقت نفسه كنتِ تشعرين بأن أحدًا لا يراكِ ولا يهتم بتعبكِ. اسمحي لنفسكِ بالحزن على ما فقدتِه بدلًا من أن تلومي نفسكِ.
وأخيرًا، أريدكِ أن تنتبهي إلى شيء مهم جدًا: أنتِ قلتِ: «أكره نفسي».إذا كانت هذه العبارة تعني أنكِ أصبحتِ تفكرين في إيذاء نفسكِ، أو تتمنين الموت، أو تشعرين أنكِ قد تفعلين شيئًا بنفسكِ، فلا تبقي وحدكِ مع هذه الأفكار، وأخبري زوجكِ أو شخصًا تثقين به فورًا، واطلبي مساعدة نفسية مباشرة.
أما إذا كنتِ تقصدين بها شدة احتقاركِ لنفسكِ وانخفاض قيمتكِ أمام ذاتكِ، فهذا أيضًا يستحق العمل النفسي، لكنه قابل للتحسن بإذن الله.
"أحلام"، ربما قضيتِ طفولتكِ ومراهقتكِ وأنتِ تحاولين الإجابة عن سؤال: «كيف أجعل أمي تحبني؟»
وأعتقد أن السؤال الذي تحتاجين إلى البدء فيه الآن هو: «كيف أتعلم أنا أن أرى نفسي بعيدًا عن الطريقة التي رأتني بها أمي؟» هذه هي المعركة الحقيقية الآن، وليس إثبات أنكِ أفضل منها.
وأقترح عليكِ بقوة أن تبدئي جلسات مع مختص نفساني مؤهل؛ ليس لأنكِ «مريضة»، وإنما لأنكِ حملتِ سنوات طويلة من النقد والإهانة والرفض، وأصبح أثرها واضحًا في تقديركِ لذاتكِ وفي علاقتكِ الزوجية. وجود شخص متخصص سيساعدكِ على بناء الحدود، واستعادة ثقتكِ بنفسكِ، وفصل صوت والدتكِ عن صوتكِ الداخلي، والتعامل مع آثار التجارب المؤلمة التي مررتِ بها.
وأريد أن أختم بجملة أتمنى أن تتذكريها كلما شعرتِ أنكِ غير كافية: كون شخصٍ ما لم يعرف كيف يمنحكِ الحب الذي تحتاجينه، لا يعني أنكِ غير جديرة بالحب.
واقرئي أيضًا:
علاقتي بأمي علاقة سامة!
أمي وما أدراك ما أمي!!
أمي عقدة حياتي لا أكرهها ولا أحبها!!
أمي تخنقني لم أعد أحبها!!
أمي، الأم دائمة الانتقاد: كيفية التعامل؟!
الابنة: أمي لا تحبني.. الأم: ابنتي تكرهني
من أم أسطورة إلى امرأة غريبة: الأم العربية
الأمومة علمٌ أم فطرة؟: مغامرة د. وائل