العجيب في أمرنا أن الأجانب يكتبون تأريخنا، وما ندونه يعتمد على كتبهم، أي أن مصادرنا أجنبية، فلماذا لم نكتب تأريخنا بأنفسنا؟ لا أقصد بذلك مؤرخينا الكبار في مسيرتنا الحضارية الوهاجة، وإنما ما جرى في القرن العشرين، وما جاء به المستشرقون عن تأريخنا، وهم الذين عرّفونا بماضينا فنثروا بعضه أمامنا، وتستروا على الكثير منه في مخازن مكتباتهم ومتاحفهم.
من القصص أن شابا ألمانيا من مدينة برلين في بداية القرن العشرين، اسمه أرنست أميل هرتسفيلد، (1879 – 1948)، جاء إلى مدينة سامراء وخيّم في البقاع التي كانت مسرحا لدولة بني العباس العاصمة آنذاك، وراح ينقب عن آثارهم فأعلمنا بوجود حضارة اسمها حضارة سامراء، سابقة لزمنها كعاصمة.
المذهل في الأمر أن المدينة كانت مسوّرة وتغلق أبوابها عند غروب الشمس، ولا يجرؤ شخص أن يغادرها ليلا لكثرة الوحوش كالأسود والذئاب والضباع فيها، لكنه وبكل شجاعة خيّم فيها ومكث لأسابيع وهو يبحث ويدوّن ويكتشف، ويعثر على لقى أثرية أودعها في متاحف الدنيا التي توثق عمله، وما وجده في مغامراته في بلاد الرافدين وإيران.
ترى ما هو سر الغفلة التأريخية التي أصابت أجيالنا؟
ربما سيقول المتسرعون إنها الدولة العثمانية، لكن الواقع أننا نسمع عنها من الدول التي هزمتها في الحرب العالمية الأولى، ودولنا أصبحت من ممتلكات تلك الدول المنتصرة، والتي عليها أن تحكمها بشتى الأساليب اللازمة لإخضاعها، وسلب ثرواتها.
يبدو أن المعضلة تكمن في أن المستعمرين تمكنوا من فصل مجتمعاتنا عن ذاتها وتحريرها من موضوعها، وحوّلوها إلى عالة على الآخرين، وبتأييد من الأدعياء الذين يسوّغون استلطاف الذل والحرمان، ونكران قيمة الدنيا ويرَّغبون بمعاداة الحياة.
قتلونا وأوجدوا دولا تُدار بالنيابة عنهم، لتحافظ على مصالحهم وتعزز أطماعهم، وجعلوا الوعي الجمعي مرتبط بالمعتقد الذي ألغى معنى الدولة، وحلق في فضاءات المثالية السرابية الطوباوية التي كلفت الأجيال الغالي والنفيس.
لماذا شاءَ عُدوانٌ عَليْنا
حياةً في مَساوئها ابْتُلينا
كياناتٌ تلاحَتْ واسْتجارَتْ
بمُفترسٍ يُصادِرُ ما لديْنا
ويَسرُقنا بتَضليلٍ رحيمٍ
وتجهيلٍ وإبْداعِ ارْتأيْنا
د-صادق السامرائي
واقرأ أيضا:
منطق الأرضة والسياسة!! / حروب طويلة!!
