"الجانغبان"... لا تعرفونه بالطبع!.. صعلوك عربيّ أبيّ وأصيل. أنا أيضا لا أعرفه، وهذا قبل كل شيء، ورفعا لكل التباس. وهو شريف جدّا دون شك. بشهادة "الكلب حسين" الذي قال ذلك وأكد شهادته فقال دون شك!
اختبرَ معدنه في السرّاء والضرّاء (كما قال)، وأشاد به أمام الشّلة وهو يقسم بالله، وما كان ينبغي له أن يُقسِمَ، فهُم يصدّقونه على كلّ حال، حتى لو قال أنّ الأرض مكعّبة! قال:
- لم يمارس "الجانغبان" الغشّ أبدا أثناء اللّعب. وكان يدفع إنْ خسِر بروح رياضيّة ودون تلكّؤ. ثمّ، هو لم يتأخّر عن دفع سهمه في إيجار البيت الذي يسكنه مع الطلبة قطّ. وكان يحرص على راحتهم خلال مذاكرتهم ويدعمهم وقت الإمتحانات. ولقد أهدى بدلته جديدة كما اشتراها، لطالب الفلسفة "مالك الحزين"، يوم ناقش أطروحة التّخرّج وهو يلبس تلك البدلة التي اشتراها "الجانغبان" يوم أراد أن يتزوّج، ثمّ انصرف عن المشروع لعدم الجدوى.
وفرح كالطفل يوم أن حاز ذلك الطالب الشهادة بدرجة الامتياز. وظفر يومها من زملائه بكنية جديدة: "نيشته"!
- هكذا..؟!
- نعم هكذا، فلا تحاول أن تصلح لي! نبّه الكلب حسين أحدَهم واسترسل
- أنا لا أدّعي في العلم فلسفة، لكنّ صاحب الشأن حين أراد أن يُصلح للذي ناداه أوّل مرّة يا "نيشته"، وقال دون تفكير وهو يضحك:
- نيتشه، نيتشه!.. أجابه زميله الذي ناداه بالاسم المحرّف قال:
- لا أظنّك إن نوديت بـ"نيتشه"، صرت فيلسوفا وعلى تلك الدرجة. وإلّا قلّي... ما نصيب عنوانُ الخيانة والخسّة في هذه الأمّة في هذا العصر من اسمه ومن صفته، واسمه وصفته حسين بن علي "شريف مكة"؟!
بل خذ العبرة من أستاذ الفلسفة حبيب بوزيد، الذي درَس في الموصل في العراق، وكنّى نفسه ب"ديكارت"! ثمّ زَعم في المقهى، أن البلاد تحتاج لمستبد عادل! فواجهته الفضيحة، أن صاح فيه النادل:
- بالله أفهمْني كيف اتسعَ دماغك إلى ذلك الحدّ، فجمع الشيء إلى نقيضه بالتمام؟ مستبدّ وعادل؟!.. كيف؟! وأيٌّ من هذين النّقيضين إن حضر خسف بالآخر؟! وهل ثمّة ظلم أظلم وأعمّ، من أن يستبدّ نفر من البشر بحكم شعب؟! وإذا شمل أحدهم شعبا بظلمه، فساوى بين أفراده جميعا بانتزاع حقّهم في المشاركة في الحكم، تدعونا - أنت - أن نعتبر ظلمه ذاك عدلا؟! علّمني كيف واأمت بين العدوّين وألّفت بين قلبيهما. أو كيف يجتمع الكفر والإيمان في قلب رجل واحد. أم أنّ رأسك فيه دماغان، وجوفك فيه قلبان؟!..
أمَا ترى أمّتَنا كأَمَة يغشاها ذلك الشيء، يتملّك أقطارَها مستبدّون، مستبدّ يرثه مستبدّ، وكلّما قبض الله فيهم روح الحجّاج فورثه ابنه، وأراهم ما أراهم، قالوا "ما أعدلك يا حجّاج!"؟!..
وحين قطّب الأستاذ حبيب جبينه، سدّد له النّادل اللّكمة القاضية قال:
- كأنْ تقول لي بالدّارجة التونسية: "اقعُد واقِف!"... وختَمها مستشعرا نشوة الانتصار قال:
- وفيلسوفك هذا الذي تتدثّر باسمه وتَرْفلُ في أنواره… إن كان يقول بما تقول، أنا أمسح به، لا أقول لك أرضية المقهى، بل مرحاض المقهى!
وفيما الحاضرون بين قهقهة وأخرى، وقائل أحسنت، وقائلٍ حبيبْ من حزب السلطة!.. وآخر يغمز ناحية الأستاذ، ويعيد الجملة ضاحكا متندّرا:
- "اقعد واقف"!..
وقف حبيب عرقانا يغالب الارتباك بالابتسام، وأخلى المكان ومن يومها لم يعد!
ثمّ غمز طالبَ الفلسفة بعينه، وأنهى يلاطف زميله بالقول:
- أنا أربأ بك أن تنادَى باسْمِ فيلسوف مريض الفلسفة، فاسد المزاج، لا يرتجى منه نفع، ولم ينفع معه علاج. ولقد مات مجنونا مشرّدا في الشارع. لذلك يا عزيزي... ابق "نيشته"!
فبقي أخونا "نيشته"!..
أفضى "الكلب حسين" ببعض ما فاض به رصيد "الجانغبان" من آيات الشّرف بعد أن راجع الأمر على ضوء القمر، وهو يجلس وحيداَ في آخر باحة مقهى النّخيل. يحدّق في البحر الذي تغزوه بين الفينة والأخرى نسائمه، فتغمر خياشيمه برائحة السّمك الّتي غالبا ما كانت تنبعث منه لكثرة ما خاض فيها، وبسببها، وفي ملاطفة رومانسية، خشيت عليه مرّة أمّ عياله من القطط السائبة أن تلتهم لحمه، إن هي قصّرت في تدليكه أثناء غسله بشرائح الليمون لطمس الرائحة أو تذليلها..! سألها:
- هل تقصدين القطط (القطط)، أم القطط اللائي يُخشى منهنّ على الأزواج؟ وأجابته تقاطعها ضحكة، بدت له كما لا أجمل منها في روائع النّغم:
- وهل تجلب لك رائحة السّمك المنبعثة منك، إلّا تلك القطط التي تلتهم السّمك بشراهة وهي تموء محذّرة من يريد مشاركتها الوليمة؟!
استشعر كهربة لذيذة سرَت فيه، داعبته ودغدغت فؤاده حين استذكر تلك الملاطفة من "أم اللطائف" كما كان يسمّيها تحبّبا، ووَقَرَ في خلده أنهما يتشاركان الشعور بالرّضا والامتنان مناصفة... (ففتي/ففتي).
امتصَّ مشهَدَ البحر بعينين واسعتين كإسفنجتين، وارتأى، أنّ أمواجَه وأعماقَه وما انطوت عليه من حوت وعرائسَ وعجائبِ المخلوقات، شهدت ولا بدّ، على معاركه الخمسمائة مع البحرية الإيطالية حسب قوله(!)... ولطالما ملأه الشّعور بالفخر حين كان يرويها، ويصعد فيه الشّعور إلى ذروته، مترافقا مع ذروة الدراما، حين تحين الجملة الّتي يتقابل فيها الكرّ بالفرّ فيقول:
- هم يرمون... وأنا أغطس!
وكان يحلو له أن يردّد:
- هم يرمون... وأنا أغطس! هم يرمون... وأنا أغطس!..
فكان يُفلِت من شرّهم دائما، ويعود سالما غانمًا رزقَ عِيَالِه!
و"الجانغبان" بلا عمل، بلا أسرة ولا يملك بيتا... وبرغم أنّه اجتاز من أمدٍ سنّ النّبوّة بدرجة مشرّف جدّا... فإنّه رَسَب بنفس الدّرجة وبامتياز، في اجتياز خطّ الفقر... والفقرُ ليس عيبا. وإن كان كذلك فإنّا نحن- قال "الكلب حسين" أنا و هو - لا نحسَبُه عيبَه هو، ولا عيبي أنا..! فهو أربعون ربيعا أو أكثر قليلا أو كثيرا، وفشِلَت الدولة في أن تهيّء له الفرصة ليتعلّم ويعمل، ولو عملا واحدا، ولو يوما واحدا أبدًا..! لكنّه على كلّ حال… شقّ طريق الشّقاء عصاميّا، وأجاد شيئا ليس كثيرا من صنوف القمار الحلال! (حلال؟!).
كان هو و"كايزر" و"الدّو"، ويشاركهم ثلاثة من طلبة كلية الآداب في عطلة الصّيف، ينامون النّهار، وفي اللّيل، يتداعون إلى المقهى لِلَعِب القِمَار. وكان "الجانغبان" أمهرَهم في كلّ صنوف ألعاب الورق. و"الكلب حسين" لا يَبرَح مجلسَهم إلاّ إذا أبحر للصّيد. أمّا لماذا كُنّيَ "الكلب حسين" ومن كنّاه؟ هو لا يرى داعيا لتكرار القصّة لفُرط ما قصّها حتّى مجّها. وحسْبُ من يناديهِ كذلك، أنّه لا يجد فيه شيئا من الغضب أو الصّدود. بل نادِه - اختباراً - يا حسين. كرّرها - إن شئت - عشرًا أو عشرينَ وَعَلِّ بها صوتَك... يسمعك بالتأكيد. لكنّه لن يجيب أو يلتفت. وإن قلتَ يا "كلب حسين"، أصغى إليك بودّ وأدب! وهو (ولا أحد غيره!) من كنّى أعضاء الشّلّة "كايزر"، و"الجانغبان"، وغيرهما... استلهاما من أفلام السّينما الغربيّة الرخيصة، التي سمحت "الدّولة" لها نفسها بجلبها وعرضها، وشاهدوها معا في مطلع الشباب. كان من تشابهت سِحنَتُه مع سحنة ممثّل - خاصّة - من أولئك الذين يؤدّون الأدوار التي فيها شدّة وبأس... أخذه وألصَقَه على أحدهم. فيَكْبَرُ ترافقه كنْيتُه بألفة وانسجام..!
وعَوْدا إلى "الجانغبان"، وصنوف القمار التي أجادها. فلقد كانت له مقامرة مختلفة تماما… (لعلّها مقامرته الوحيدة الحلال، التي لا يجادل فيها ابن حلال!). بعد أن ملأ "الجانغبان" بَطنَه بطعامِ عشاءٍ طالتْهُ يمينُه بماله القليل، في مطعم "الفريق" الذي يأمّه بعضُ "المناضلين" الشّيوعيّين، الذين لا يحلو لهم نضال، ولا نضال لهم أصلا إلّا هناك. ويَأُمّه البوليسُ السّياسيّ... وبعد أن عَبَّ حتّى ارتوى من أمّ الخبائث الرّخيصة… ثمّ نهض يطوف بطاولته، يتمطّى... ارتقى فوقها، ثمّ وثَبَ يُحاكي صوْلةَ الأسدِ، منتصبا على أرضية صلبة، مباعدا بين رجليه، في حالة تأهّبٍ قصوى... ثمّ قفز في مكانه قفزة، أَذِنَت بانتهاء المُناوَرة المباغِتة والمدهِشة. ساقاه منفرجتان ثابتتان نابتتان... كساقيْ تمثال "عبد الله المؤمن"! ذاك الّذي أفاض بفيض الإيمان واليمن والأمان، على العراقيّين وأجوارِهم، كما أمْلت عليه حلاوة إيمانه، واستلّه مغولُ العصر من قاعدته الرّخاميّة، في ساحة الفردوس ببغداد. ثمّ خلّوا بينه وبين حشود الغوغاء وكانوا - على الأغلب - من قاعدته الشعبية!.. فهتفوا ورقصوا، في حفلة بهيجة ذاقوا فيها حلاوة البصق عليه والشّماتة فيه، وركله وعفسه وسحله في الشوارع..!
وخلال مسْحٍ بصَريٍّ شاملٍ غطّى مائة وثمانين درجة، جال "الجانغبان" بناظريه الثاقبين الحادّيْن فيهم، كنِسر متحفّزٍ مستفَزّ... ذراعُه ممدودة كرشّاش و سبّابته... والبوليسُ السياسيّ في انتشاء وانتباه... وبصراحة مرّة (لكنّه وجد فيها نكهة طيّبة وراحة على كلّ حال)، فتح النّار قال:
كلّكم كلاب..!
كان بينهم أحد يمارس القضاء... ويُشاع أنّه القضاءَ والقدرَ معا..! استدعى بالهاتف إليه عربةً شبابيكُها مسيّجةٌ أقلّته... وأسرى به سريعا كالجنّ، وخَسَفَ به الأرضَ نحو شهر في كهف تحت المحكمة... ثم أعرَجَ به إليه، هضيم الجناح منكسر الفؤاد، مهزوما مهزوز الكيان... وأوقَفَه أمامه في المحكمة يحاكمُه.
قال "الجانغبان":
- سيدي الرّئيس... بما أنّك رئيس... احكم بما تشاء..! و بما أنّي أنا (..........)...
ووقع المسكين في الفراغ الذّريع... لم يجد داخلَه ذاتا ذات قيمة، أو صفَةً يُشهرها ويُدلي بها، فتُعلي قامته أمام الحضور، وتُفرِّجُ كربتَه أمام "الرّئيس" هذا "الكلب"..! وجَدَ فراغا مَقيتا مُريعا، مملوءا بالقهر وطافحا بالتّيه. تحسّس مكانه هذا البغيض كضبع وقع في الشّرك. وَعَى في أقلّ لحظة بما تَرَكوا له من عقلٍ مبعثَرٍ وإحساس مشوَّش... بُؤسَ موقِفِه ووقوفَه أعزَلَ ضعيفا ووحيدا في العراء، أمام القضاء، وعلى الأرجح أمام القضاءِ والقدرِ معا..! وإذْ هربتْ منه الحُجّةُ، و قبلَ فواتِ اللّحظة، كان حجّةً في حاجته حين أردف بالقولِ قال:
- للأسف الشديد... أطلب العفو..!
ولأنيّ لست القاضي والحمد للّه - قال الكلب حسين - ولا "البوليس الكلاب"، أفهم تماما لماذا تأسّف "الجانغبان"، وهو يطلب العفو
واقرأ أيضاً:
وأريـدُكِ! / قراءةٌ وترْتيلٌ! / ألغى الرسالة.... ألغاها...!
