كنت صغيراً يوم رافقت والدي إلى عمله في إحدى الوزارات، حيث كان يتشارك مكتباً صغيراً مع زميله، الذي كان بالمناسبة أحد أصدقائه المقربين، دخلنا المكتب في ذلك الصباح، ووالدي كعادته يتأبط جريدته، ويحمل ابتسامته الهادئة التي تشبه طبيعته المتسامحة، سلّم على صديقه بحرارة، لكن الرد جاء بارداً، مقتضباً، لا يشبه الود الذي أعرفه بينهما!
جلست أراقب ذلك المشهد الغريب وأنا أغلي من الداخل، إذ كلما حاول والدي فتح حديث مع صديقه، كان الرد جملة مقتضبة أو نظرة تنضح بالضيق، كنت أنتظر من أبي أن يغضب، أن يسأل: «هل أزعجتك بشيء؟»، لكن شيئاً من هذا لم يحدث، شرب والدي الشاي بهدوء، وأكمل تصفّح جريدته، وحين هممنا بالخروج التفت لصديقه بلطف سائلاً: «تأمرني بشيء يا أبوفلان؟»، فجاءه الرد بنفس البرود: «لا»!
خرجنا، وانفجر الغضب في صدري الصغير، «يبه، ليش كان يعاملك بهالطريقة؟»، توقف أبي.. نظر إليّ بدهشة حقيقية وكأنه لم يلحظ شيئاً، وسألني: «أي طريقة؟»، فقلت بانفعال: «كان بارداً معك، كأنه زعلان منك»، ابتسم أبي ابتسامة هادئة، وقال بعفوية أذهلتني: «يمكن زعلان من زوجته، وأنا شدخلني؟!»
تلك الجملة البسيطة زرعت في نفسي درساً عميقاً، مفاده أنه ليس كل ما يحدث معنا أو أمامنا موجه إلينا أو متعلق بنا بالضرورة، ولعل والدي ومن دون قصد أو تكلف كان يريد لفت انتباهي لأهمية ما أسميه اليوم بـ«المخزون التفسيري الواسع»، تلك القدرة النفسية على رؤية احتمالات متعددة لسلوك الآخرين، بدل الوقوع في فخ التفسير الوحيد: «أكيد أنا السبب»!
الكثيرون منا في الواقع يمتلكون مخزوناً تفسيرياً ضيقاً جداً، إذ يكفي أن يتأخر أحدهم في الرد على رسالة، أو أن يجيب باقتضاب، أو أن يمر دون أن يبتسم، لنبدأ فوراً في نسج قصة خيالية كاملة، «أكيد زعلان مني»، أو «لا بد أنني قلت شيئاً أزعجه»، فنقضي يومنا نبحث عن ذنب لم نقترفه، ونراجع كل كلمة قلناها، وكل تصرف صدر منا، لنعذب أنفسنا بافتراضات لا أساس لها!
لكن والدي علّمني أن الناس يحملون معاركهم الخاصة، أثقالاً لا نراها، همومًا لا نعرفها، فلعل ذلك الشخص ليس غاضباً منك بل من رسالة سيئة وصلته للتو، ولربما لم يكن متضايقاً من كلامك بل من صداع لا يفارقه، ومن الممكن أنه لا يتفاعل معك لا لخطأ ارتكبته بل لانشغاله على طفله المريض في البيت، أو فواتيره المتراكمة، أو مديره الذي تشاجر معه قبل أن يلتقيك!
هذا التحول في التفكير غيّر حياتي، فلم يعد السؤال: «ماذا فعلت خطأ؟»، بل أصبح: «ماذا لو لم يكن الأمر متعلقاً بي أصلاً؟»، هذا السؤال البسيط أنقذني من عذابات لا حصر لها، وليالٍ بلا نوم أقضيها في تحليل مواقف وهمية، واكتشفت أن افتراضنا أن كل شيء يدور حولنا هو نوع من الأنانية غير المقصودة، إذ نظن أن كل نظرة عابسة موجهة لنا، وفي كل صمت رسالة لنا،، وأن كل تغيير في مزاج الآخرين نحن سببه نحن، بينما الحقيقة أبسط وأرحم، فالناس مشغولون بحياتهم أكثر بكثير مما نتصور، وما نراه جفاء قد يكون مجرد إرهاق، وما نظنه غضباً قد يكون قلقاً على أمر لا علاقة لنا به!
اليوم، عندما ألتقي شخصاً عابساً أو متوتراً، أتذكر والدي وهو يحتسي شايه بهدوء، غير معني بتفسير كل نظرة أو تحليل كل كلمة، وأتذكر حكمته البسيطة: «يمكن زعلان من زوجته»، وأبتسم، لأنني تعلمت أن أعطي الناس فسحة من الشك، وأمنحهم مساحة لمعاركهم الخاصة، وأن أتعامل مع تقلباتهم برحمة تليق بضعفنا البشري المشترك، كما تعلمت أيضاً أن هذا «المخزون التفسيري الواسع» ليس مجرد أداة نفسية، بل هو نوع من الكرم العاطفي، عطاء نمنحه للآخرين دون أن يطلبوه، عندما نفترض أن لديهم أسباباً وجيهة لتصرفاتهم، وعندما نلتمس لهم الأعذار قبل أن نحكم عليهم، وعندما نتذكر أن خلف كل وجه نراه قصة لا نعرفها!
الحكمة يا أصدقائي ليست في أن نكون سذجاً نبرر كل إساءة، بل في أن نميز بين ما يعنينا حقاً وما لا يعنينا، بين البرود الموجه لنا فعلاً والبرود الذي نحن مجرد شهود عليه، وحتى نتعلم هذا التمييز، فالأسلم والأرحم هو أن نمنح الناس فائدة الشك، فالحياة تصبح أخف وأجمل عندما نتوقف عن أخذ كل شيء بشكل شخصي، عندما نفهم أن معظم ما يحدث حولنا لا علاقة له بنا، وأن الناس لديهم ما يكفي من الهموم دون أن نضيف إليها هماً وهمياً نخترعه، وأن خلف ذلك الوجه العابس إنساناً ربما يكون فقط... زعلاناً من زوجته!
10/12/2025
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
تلك الأيام التي خذلتن..... وأنقذتنا! / أطفالنا.. تلك المرآة التي لا تكذب!
