يجلس مع أصدقائه بوجه مكسور، يحكي عن خسارة أصابته، ألم يعتصر قلبه، وقبل أن يكمل جملته الأخيرة، يقفز أحدهم بحماس المبشرين، ليخبره بأن كل شيء يحدث لحكمة، وأن هناك خيراً مخبوءاً في هذا الألم، وأن عليه أن يرى الجانب المشرق، بينما هو يريد فقط أن يحزن بسلام، أن يعيش ألمه دون أن يحوله أحد قسراً إلى بطل في قصة نجاح لم تُكتب بعد!
المتفائلون القهريون موجودون في كل مكان، يحملون مصابيحهم الأشبه بـ«الكشافات» المضيئة ويسلطونها على وجوه من يريد أن يغمض عيونه قليلاً، ويحولون كل مأساة فوراً إلى درس، وكل دمعة إلى فرصة للنمو، وكل انكسار إلى بداية جديدة، دون أن يسمحوا للألم بأن يأخذ وقته الطبيعي، ودون أن يحترموا حق الإنسان في أن يكون حزيناً لفترة!
التفاؤل في ذاته ليس المشكلة، فالأمل ضرورة، والنظرة الإيجابية تعيننا على الصمود، لكن المشكلة في هذا التفاؤل الاستعراضي القسري، الذي يرفض الاعتراف بأن الحياة أحياناً فيها ما يؤلم، وأن دروس الصدمات الكبيرة قد تنتظر حتى نتعافى بلمسة حنونة وحضن دافئ، وأن بعض الأحزان تحتاج أولاً لأن تُعاش قبل أن تُحلل وتُفسر وتُحول لمادة تحفيزية!
هذا النوع من التفاؤل قد يصبح قسوة متنكرة في ثوب الرحمة، فيسلب الناس حقهم الطبيعي في الحزن، ويجعلهم يشعرون بالذنب، لأنهم لا يستطيعون رؤية النعمة المخفية في محنتهم، ولا يملكون الطاقة لتحويل جراحهم فوراً إلى ابتسامات، ولا يريدون أن يكونوا أبطالاً في ملحمة التغلّب على الصعاب، فهم يريدون فقط أن يكونوا بشراً يحق لهم الضعف أحياناً!
الكثير من هؤلاء المتفائلين المفرطين غالباً ما يمارسون تفاؤلهم القسري هرباً من مواجهة مخاوفهم الشخصية، فيفرضون السعادة على الآخرين، لأنهم يخشون النظر في أعماق أحزانهم، ويبنون جدراناً من الإيجابية المصطنعة، ليحموا أنفسهم من حقيقة أن الحياة قاسية أحياناً بلا سبب مقنع!
أذكر مرة في مجلس عزاء، والحزن يملأ المكان، قام أحدهم ليلقي كلمة عن فلسفة النظر للموت كبداية لا نهاية، عن أن الفقيد في مكان أفضل، كل هذا والحضور يريدون فقط أن يبكوا بهدوء، وأن يتذكروا من فقدوه دون فلسفة، وأن يعيشوا حزنهم الإنساني البسيط دون تبريرات معقدة... على الأقل لفترة بسيطة!
الحكمة لا تكمن في إنكار الألم أو تجميله، بل في احترامه وإعطائه حقه وفرصته، وفي فهم أن لكل إنسان إيقاعه الخاص في التعامل مع المحن، وفي معرفة أن الصمت أحياناً أبلغ من آلاف الكلمات التحفيزية، وأن الحضور الصادق أثمن من النصائح المعلبة، فالزمن كفيل بتخفيف معظم الآلام، والحياة تستمر رغم كل شيء، لكن هذا لا يعني أن نتجاهل اللحظة الراهنة بحثاً عن غد مشرق متخيل، لا يعني أن نقفز فوق مراحل الحزن الطبيعية لنصل سريعاً لبر الأمان العاطفي.
صديقي العزيز، عندما تواجه شخصاً يمر بألم حقيقي، قاوم رغبتك في تحويله لبطل خارق، دعه يكون إنساناً عادياً يحق له الضعف، اجلس معه في حزنه دون أن تحاول سحبه منه قسراً، كن حاضراً بصمتك أكثر من كلماتك، واحترم حقه في ألا يرى الجانب المشرق الآن، واعلم أن التفاؤل الحقيقي ليس في إجبار الناس على الابتسام وهم ينزفون، بل في الإيمان بقدرتهم على الشفاء كلٌ بوقته وبطريقته الخاصة، وتذكر أن أعظم أشكال الدعم ليس بالضرورة في تحويل كل مأساة لتجربة ملهمة، بل في احتضان الإنسانية بكل تناقضاتها، قوتها وضعفها، فرحها وحزنها، وتذكر أن الإيجابية لا تعني إنكار الظلام، بل في الإيمان بأننا قادرون على تحمله حتى يأتي النور، وليس في تجميل المآسي، بل في الثقة بقدرتنا على تجاوزها بوقتها، وليس في إجبار الناس على الابتسام، بل في احتضانهم حتى يصبحوا مستعدين للابتسام من جديد... بإرادتهم!
واقرأ أيضًا:
المؤتمر السنوي.. للفشل! / فن التظاهر.. بالغباء!
