أنا سعيدة.
لقد عشتُ حياةً صعبةً للغاية. كنا في يومٍ من الأيام عائلةً سعيدةً من الطبقة المتوسطة، وهو وضعٌ يكاد يكون معدومًا الآن. ثم، فجأةً ودون سابق إنذار، توفي والدي. لم يكن يعاني من مرض. لم يكن لديه أي استعداد. لقد رحل ببساطة. بين ليلةٍ وضحاها، تغير كل شيء. تحول الاستقرار إلى صراعٍ عاطفي ومادي. تُركت والدتي وحيدةً لتربية أربعة أطفال؛ أصغرهم كان يبلغ من العمر عامين فقط.
كنتُ في الثامنة من عمري. تخلينا عن كل شيء: الراحة، والأمان، والحياة التي عرفناها. انتقلنا إلى حيٍّ فقيرٍ وغير آمن. الشيء الوحيد الذي لم تتنازل عنه والدتي أبدًا هو تعليمنا. هل تعرفون ما معنى الالتحاق بإحدى أفضل المدارس في مصر بينما تخفون أنكم بالكاد تستطيعون البقاء على قيد الحياة؟ معظم الناس لا يعرفون. أنا أعرف. لم يكن أحدٌ يعلم أننا كنا نكافح لأننا لم نبدو كذلك أبدًا.
الله وحده يعلم كيف استطاعت والدتي توفير حياةٍ كريمةٍ لنا حتى تخرجنا. كنتُ دائمًا الأولى على صفي. كنتُ أعرف أنه لا توجد فرصةٌ ثانيةٌ لي. لم يكن الفشل خيارًا. أحببتُ ذات مرةٍ شخصًا اختفى عندما..." أخبرته بمكان سكني. كان ذلك قبل خمسة عشر عامًا. عاد لاحقًا وحاول التواصل معي، لكنني حظرته. كنت أستحق أفضل من ذلك.
عملت بلا كلل، واعدة نفسي بتغيير ما أرفض قبوله. وقد فعلت. ترقيت في السلم الوظيفي من مركز اتصال إلى منصب نائب رئيس شركة عالمية مرموقة في الخارج. اشتريت منزلي وسيارتي، ونقلت والدتي إلى أحد أفضل المجمعات السكنية في مصر. تحولت سيارتي الواحدة إلى اثنتين، ومنزلي الواحد إلى عدة منازل.
أُحيي ذكرى والدي من خلال العمل الخيري، وأستخدم ما وهبني الله إياه لمساعدة الآخرين.
هل حياتي مثالية؟ لا. لم أتزوج قط. حتى خطوبتاي باءتا بالفشل. أعرف السبب: كنتُ مُخيفة. إجباري على الاعتماد على نفسي طوال حياتي أخاف الناس. لم أكن بحاجة إلى أحد، بل كنتُ أرغب في شخص ما. لم يفهموا. ولم أُفسر لهم. هل أندم على ذلك؟ أحيانًا نعم، لأنني لطالما تمنيت أطفالًا. وأحيانًا لا، لأنني أعرف أنه لم يكن خيارًا، بل كان قدرًا. لم ألتقِ أبدًا بشخص شعرتُ معه... "الشخص المناسب". حياتي ليست مثالية، لكنني ممتنةٌ لله من أعماق قلبي. أديتُ فريضة الحج، ودعوتُ لوالديّ، وشكرتُ الله مرارًا وتكرارًا. لم يُعطني كل ما طلبتُ، لكنه أعطاني أكثر مما تمنيتُ.
أشارككم هذا لأقول: العمل الجاد يُؤتي ثماره. قد تنقلب الحياة رأسًا على عقب، لكن ثق بالله، حتى وإن لم تفهم. افعل ما يجب عليك فعله، واترك الباقي للخالق.
هو الذي خلقك، وهو الذي يُيسّر لك الأمور. أنا سعيدةٌ لأنني ممتنةٌ من أعماق قلبي.
29/12/2025
رد المستشار
أهلا وسهلا بك "حنان"، كلامك عميق، ناضج، ومشحون بقدرٍ كبير من الصدق الإنساني.
فهو اعتراف نفسي ناضج. لقد تعرضت لصدمة وفاة والدك المفاجئة في سن الثامنة، وهي ليست مجرد فقد، بل انكسار مبكر للأمان، وانتقال قسري من عالم "هناك من يحملني" إلى "يجب أن أحمل نفسي"، وهذا النوع من الصدمات يُسبب غالبا نضجًا مبكرًا جدًا، وإحساسًا داخليًا دائمًا بأن الخطأ غير مسموح مع ربط القيمة الذاتية بالإنجاز، فأنتِ لم تعيشي طفولة عادية، بل طفولة وظيفية. فنفسك تشكّلت حول الاعتماد الكامل على الذات، والسيطرة، والأداء العالي، والكتمان، وهذا النمط ليس اختيارًا واعيًا، بل تكيف مع الخطر. وكان ثمنه صعوبة استقبال الاحتياج، صعوبة السماح بالاتكاء مع خلط لا واعٍ بين الحب والضعف
لديك تجربة مهمة ارتبطت بالحب الذي انسحب عند كشف الواقع "اختفى عندما أخبرته بمكان سكني"، وهذا الحدث فعّل جرحًا قديمًا: "عندما أُظهر حقيقتي، أُترك"، وعزّز قناعة: "يجب أن أكون كاملة حتى أبقى"، وجعل الكرامة أعلى من الرغبة (وهذا صحي... لكنه مكلف عاطفيًا). وبالتالي قرارك بحظره لم يكن قسوة، بل حماية نفسية.
ثانيًا: لماذا العلاقات لم تنجح؟ تفسيرك للأمر "كنتُ مُخيفة"
لكن الحقيقة أنتِ مستقلة أكثر مما يحتمل من يريد علاقة اتكالية، ومكتفية أكثر مما يحتمل من يحتاج أن يكون "منقذًا"، وهادئة أكثر مما يفهمه من يربط الحب بالفوضى، وهناك كثيرون لا يعرفون كيف يكونون مع امرأة لا تطلب، لا تتوسل، لا تنهار لكنها تشعر بعمق.
الندم على غياب الأمومة ليس ضعفا بل هو حزن صحي، فأنتِ لا تندمين على اختياراتك، بل تحزنين على نسخة حياة لم تعاش، وهذا فارق نفسي مهم: فالندم = شعور بالذنب، والحزن = اعتراف بالخسارة دون جلد الذات. وأنتِ في منطقة الحزن، لا الذنب.
علاقتك بالله وإيمانك هنا ليس "تعزية"، بل تنظيم داخلي، وقبول بلا استسلام، وأداء الحج، الدعاء، الشكر، كلها مؤشرات على تصالح روحي ناضج، لا تدين دفاعي. "أنا سعيدة لأنني ممتنة" وهذه ليست سعادة نشوة، بل سعادة اتزان.
الخلاصة
أنتِ قوية لكن لستِ حجرًا، ومكتفية لكنك قادرة على الحب، وناجحة لكنك دفعت ثمنًا، وممتنة دون إنكار الألم، لم تفشلي في الزواج بل نجحتِ في النجاة، وبقي السؤال العاطفي مفتوحًا. ولو ظهر شخص لا يحتاج إنقاذك، ولا يخاف قوتك، ولا يهدده اكتفاؤك ويحترم استقلالك دون أن يختفي فستسمحين لنفسك هذه المرة أن تكوني محتاجة.... قليلًا.
وفقك الله وتابعينا
واقرئي أيضًا:
سعيدة، ولا أحتاج لشريك حياة!
الرد على وحيدة إن شاء الله سعيدة
سعيدة: أخاف وأرجو... وأحتاج لشريك!