في «الزوارة» العائلية، تجلس فتاة ثلاثينية تبتسم بارتباك، بينما قريبتها تسألها بحماسة: «ليش ما تزوجتي لليوم؟»، سؤال قد يبدو بريئاً، مجرد دردشة عائلية عادية، لكن تلك القريبة لا تعلم أن الفتاة التي توجه سؤالها لها قد دفنت قصة حب مؤلمة منذ شهور، وأنها ترفض العرسان لأسباب لا تريد شرحها لأحد، ولضرورات اللياقة الاجتماعية تجد الفتاة نفسها مضطرة للإجابة التي تأتي مختصرة: «والله ما صار نصيب للحين»، تقولها وابتسامتها المصطنعة قد تشي بأسرارها، بينما القلب ينزف ألما!
هذا المشهد يتكرر يومياً بأشكال مختلفة، فالفضول الاجتماعي عندنا يتنكر بخبث في ثوب الاهتمام، فتنهمر الأسئلة التي تبدو عابرة لكنها تنبش جراحاً عميقة، سؤال عن الإنجاب، و«ما كو شيء في الطريج» للزوجة التي أجهضت مراراً، وسؤال عن الدراسة لمن اضطر لتركها ليعيل أسرته، وسؤال عن الابن الغائب للأم التي تخفي إعاقته عن العيون!
هذه الأسئلة غالباً ما تأتي من الأقربين، من الذين يظنون أن صلة الدم أو الصداقة تمنحهم تصريحاً مفتوحاً للتنقيب في خصوصيات الآخرين، فيسألون عن الراتب، وعن أسباب الطلاق، وعن تفاصيل المرض وأسرار العلاقات، غير مدركين أن القرب لا يلغي الحدود، وأن المحبة لا تبرر الاقتحام في خصوصيات الآخرين، حتى لو كان السؤال مغلفاً بعبارات الحب والاهتمام، مثل «أنا بس خايف عليك وأبي مصلحتك»، فالنوايا الطيبة لا تحول السم إلى عسل، والمحبة الصادقة لا تمنح صكوك براءة للتدخل في ما لا يعنينا، والخوف على الآخرين لا يبرر انتهاك خصوصيتهم.
مجتمعاتنا في الغالب تعتبر الخصوصية رفاهية، والحدود الشخصية وقاحة، وترى أن من حق الجميع أن يعرف كل شيء عن الجميع، وأن رغبة الشخص في الاحتفاظ ببعض أسراره لنفسه دليل على أنه يخفي شيئاً شائناً، فيُتهم بالتكبر إن رفض الإجابة، وبالتعقيد إن طلب احترام خصوصيته، وقد يجد نفسه لدفع الشبهات مضطرا للإجابة عن أسئلة تُطرح بخفة دم مزعومة أو اهتمام مصطنع، دون أن يدرك السائلون أنهم قد يطأوا على لغم مدفون في قلب من يسألونه!
كثيرون لا يدركون أن خلف كل رفض للإجابة قد تكون هنالك قصة أكبر من أن تُحكى في مجلس عابر، أو ألم أعمق من أن يُشرح لسائل متطفل، أو جرح أكبر من أن يُكشف لمجرد إرضاء فضول اجتماعي، والسائل بسؤاله «البريء» قد يجبر من يسأله على الاختيار بين الكذب أو كشف ما يؤلمه أو الظهور بمظهر الوقح المتعجرف الذي يفتقد للسلوكيات الاجتماعية الحميدة!
في صخب اللقاءات الاجتماعية لا يتقن الكثيرون فن الصمت الجميل، ولا يدركون أهمية احترام المساحات الشخصية للآخرين حتى لو كانوا أقرب الناس إليهم، ولا يعترفون بأن عدم معرفتهم بكل التفاصيل ليس نقصاً يجب سده، بل احتراماً يجب ممارسته، وأن الحب الحقيقي قد يتجلى أحياناً في عدم السؤال أكثر مما يتجلى في الإلحاح على إجابته!
لذلك يا صديقي وقبل أن تطرح سؤالك القادم، توقف لحظة وفكر، هل هذا ضروري حقاً؟ هل سيضيف شيئاً مفيداً لحياتي أو حياة من أسأله؟ أم أنه مجرد فضول قد يفتح جرحاً لا أعلم عنه شيئاً؟ وتذكر أن الصمت أحياناً أبلغ من الكلام، وأن احترام خصوصية الآخرين ليس برودة وجفاء بل قمة الرقي والذوق، وإذا كان لا بد من السؤال، فليكن بلطف ودون إلحاح، مع ترك مساحة واضحة للآخر ليختار عدم الإجابة دون أن يشعر بالحرج، كأن نقول مثلاً: «إذا ما تحب تتكلم عن الموضوع عادي»، وعلينا أن نحترم صمته كما نحترم كلامه، وأن نفهم أن «ما أبي أتكلم عن هالموضوع» هي إجابة كاملة لا تحتاج لتبرير، وأن الأسئلة التي تبدو بريئة قد تكون أمضى من السيوف، والفضول الذي يبدو طبيعياً قد يكون قاتلاً، والكلمة العابرة قد تترك ندبة دائمة، وقد يكون أفضل ما يمكن أن نقدمه لمن نحب أحيان... هو ألا نسأل!
٠٧ يناير ٢٠٢٦
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
عندما يتقاعد......... المنقذون! / خطط السنة الجديدة...... لماذا تفشل كل مرة؟
