جزيرة إبستين: الغرائز البدائية، السلطة، والانحدار الأخلاقي (دراسة نفسية)
هذا المقال دراسة تحليلية نفسية–اجتماعية لظاهرة جزيرة جيفري إبستين، بوصفها نموذجًا مكثفًا لاجتماع الغريزة البدائية بالسلطة والنفوذ والسرية.
وهو محاولة لفهم آليات الانحدار النفسي والأخلاقي والإنساني لأشخاص ذوي مكانة وذوي نفوذ وتأثير في مجالات سياسية واقتصادية وفنية وعلمية، ويعتبروا قادة العالم في مجالاتهم المختلفة.
الغريزة بين الإنسان والحيوان
الغريزة الجنسية طاقة حيوية أساسية في الكائن البشري، لكنها لا تعمل في فراغ.
فالإنسان (السوي) يتميز عن الحيوان بامتلاكه: الضمير، والضبط الذاتي، والقيم، والبنية الاجتماعية الرادعة.
حين تُرفع هذه الحواجز، لا يرتقي الإنسان إلى الحرية، بل يهبط إلى البدائية والوحشية، حيث تستعر تلك الغريزة وتسيطر على الإنسان بالكامل وتضعف بجوارها عوامل الضبط والتحكم، فينطلق الشخص كحيوان هائج يبحث عن الإشباع بوسائل مألوفة في البداية، ثم يزداد طمعا في إشباعات شاذة وغير مألوفة للحصول على مزيد من الدوبامين في المخ.والغريزة الجنسية لا تنشط وحدها بل تنشط بجوارها غريزة العدوان والتي تستدعي أفعالا مثل القتل أو الاغتصاب أو التلذذ بالأطفال والمراهقين والشعور بالسيطرة والتحكم في الضحية، والشعور بالاستعلاء والاستحقاق لإشباعات غريزية تخترق حواجز المجتمعات والأديان.
النكوص والانحدار Regression
الحضارة قائمة على كبح الغرائز وعندما تغيب القيود، يعود الإنسان نفسيًا إلى مراحل بدائية من النمو فيتعشق أشياءا غير مقبولة اجتماعيا أو أخلاقيا أو قانونيا. وجزيرة إبستين تمثل بيئة مثالية للنكوص نظرا للعوامل التالية: العزلة الجغرافية للجزيرة بما يمنح خصوصية مطلقة، وسرية تامة، وسلطة بلا مساءلة.
كما أن الأجواء المتاحة، من وسائل المتع الجنسية وغير الجنسية في حالة من السماح المطلق والتقبل، بل والتشجيع على تجاوز الحواجز المجتمعية المعتادة والخطوط الحمراء. وانتقاء المشاهير وأصحاب النفوذ والترحيب بهم في هذه البيئة المفتوحة تماما بلا أي قيود يعطي انطباعا بأن من يصل إلى هذا المستوى من النفوذ والشهرة من حقه أن يعيش في مساحات من الحرية الجنسية وحتى العدوانية أوسع بكثير مما يعيشه عوام الناس، ويرى أن من حقه الاستمتاع بالصغار والكبار على السواء بالطريقة التي يرغبها فهو فوق القانون وفوق الاعتبارات الاجتماعية التي تصلح فقط لعوام الناس، وفوق البشر العاديين الذين وجدوا لإسعاده وإمتاعه. وبما أن هؤلاء الناس تفرض عليهم مكانتهم الاجتماعية كقادة ومشاهير قيودا اجتماعية ويتصنعون قناعا كاريزميا منضبطا أمام الجماهير الذين ينضوون تحت سلطتهم أو ينبهرون بمكانتهم، لذلك يصبح لديهم الحنين الشديد للتخلص من قيود الأقنعة الاجتماعية التي يلبسونها، وأن يعيشوا حالة من النكوص الأخلاقي والسلوكي إلى أبعد مدى خاصة إذا وثقوا في سرية وخصوصية المكان.
السلطة وتعطيل الضمير
تشير أبحاث باندورا إلى مفهوم "فك الارتباط الأخلاقي"، وبالذات لدى أصحاب السلطة والنفوذ، فهم يرون أنهم فوق القواعد الاجتماعية العادية وفوق القانون، فهم من يصنعون القانون ويحددون ما يجب ومالا يجب حسب الحالة التي يعيشونها، وهم قادرين بحكم سيطرتهم على تبرير سلوكهم وعلى إسقاط أي مسؤولية تلحق بهم، وعلى نزع إنسانية ضحايا إشباع غرائزهم، فهم اعتادوا الاستعلاء على البشر، واستخدامهم، فالسلطة قد لا تفسد الجميع ولكنها تكشف من يمتلك ضميرا راسخا.
هل كل المشاركون مرضى نفسيون؟
من الخطأ العلمي افتراض ذلك. فالتمييز واجب بين :
- اضطراب تفضيل جنسي: كتعشق الأطفال أو السادية أو المثلية.
- انحراف سلوكي سلطوي: الاستمتاع بالتحكم والسيطرة واستغلال الآخرين والتعامل معهم كأشياء (وليسوا كبشر) خلقت لإسعاده وليس لها حقوق.
- انتهازية أخلاقية: حيث يجد الفرصة متاحة ليفعل ما يريد بالشكل الذي يريده ولن يعترضه أو يحاسبه أحد، فيغتنم هذه الفرصة في هذه البيئة المواتية والمشجعة على كل شيء.
وهكذا نرى أن كثير من السلوكيات إجرامية لا مرضية.
السعار الجنسي أم السعار السلطوي؟
في كثير من الحالات يكون الجنس ليس هدفًا بل وسيلة للهيمنة أو إذلال الآخر أو إثبات التفوق، بمعنى أن السلوك الجنسي هنا رمز قوة لا رغبة فقط. وهؤلاء الناس في تركيبتهم النفسية حب التفوق والتملك والتحكم والسيطرة والنفوذ، واستخدام الآخرين لتحقيق أهدافهم وإشباع رغباتهم. فالسعار الجنسي يصبح موازيا ومكملا للسعار السلطوي بداخلهم، وكل انتهاك لحقوق الآخرين وآدميتهم يعتبر شهادة إثبات على قوتهم وتميزهم وتفوقهم فهم السادة وغيرهم العبيد.
قراءة نفسية لشخصية إبستين
تظهر سمات واضحة في شخصية جيفري إبستين ومنها السيكوباتية الوظيفية عالية الأداء، والذكاء الاجتماعي والوجداني الاستغلالي، وهذا السمات أتاحت له فرصة إقامة شبكة علاقات قوية بقادة العالم في المجالات المختلفة، واستخدام الجنس كشبكة ابتزاز ربما لصالح بعض الجهات التي ربما أمدته بالمال وبالخبرة للإيقاع بضحاياه، ويضاف إلى ذلك ضعف أو انعدام الضمير الأخلاقي والإنساني، وعدم قدرته على التعاطف مع الضحايا وهم كثر.
آليات الاستدراج والسيطرة
اعتمد إبستين والمنظومة التي تعمل معه على الإغواء التدريجي حتى يصل الضحية لأقصى مدى من الانحدار مع الوقت، مع تطبيع الانحراف بإتاحته وممارسته بشكل مفتوح وجماعي يكسر المقاومة المتوقعة للانحراف، ثم خلق سر مشترك بين المقيمين على الجزيرة يطمئن الجميع على بقاء الأمر سرا لمصلحة الجميع، واستغلال نرجسية النخب ورغبتهم في التفرد وتحقيق الإشباعات الذاتية لأقصى مدى، ثم أخيرا الابتزاز المباشر وغير المباشر لتحقيق مصالح جهات أو دول بعينها.
البعد الحضاري والإنساني
ما حدث ليس شذوذًا فرديًا بل خللًا حضاريًا جماعيا وتشوها في الفطرة الإنسانية تم تحت مظلة تقديس النجاح، اغتنام السلطة والشهرة والمال والنفوذ بأي وسيلة، اعتياد التحكم في الناس واستغلالهم لتحقيق أهداف شخصية، تسليع الجسد، واستباحة الأطفال، وشيطنة الضحية أو تشييئها، والاعتقاد الراسخ بالإفلات من العقاب باستخدام السلطة أو النفوذ أو المال أو الشهرة والمكانة.
وفي النهاية فجزيرة إبستين كانت مرآة مظلمة للإنسان حين تُطلق الغرائز بلا قيم.، وتنهار النخب وتتشوه، ويستغل الأطفال بلا رحمة، وتنحدر الأخلاق لأدنى الحدود.
والحضارة لا تُقاس بالتقدم التقني، بل بقدرتها على حماية الأضعف.
واقرأ أيضًا:
التحليل النفسي لشخصية بشار الأسد1 / الملحد... قراءة نقدية نفسية
