السلام عليكم
أنا أنتمي لعائلة من الطبقة المتوسطة ذات تراث مصري عريق، حيث تُعتبر التقاليد أساسية. التحقت بكلية الطب، وربما كانت تلك المرة الأولى التي أتعرف فيها على عالم مختلف تمامًا عن العالم الذي نشأت فيه. خلال دراستي، التقيت بفتاة، وكانت عمليًا أول فتاة أشعر بهذا القرب منها. أحببتها حبًا عميقًا... ربما أكثر مما كنت أفهمه حينها عن معنى الحب والحياة.
كانت تنتمي إلى طبقة اجتماعية مختلفة تمامًا؛ كانوا يعيشون في المدن الجديدة. كان والدها مهندسًا مرموقًا، ووالدتها مترجمة -باختصار، ثقافة مختلفة. عندما كنت معها، شعرت وكأنني أكتشف نسخة أفضل من نفسي. كانت ودودة، وكان من الواضح أنها تتقبل عرضي للزواج. حصلت على موافقتها على التقدم رسميًا بعد التخرج، وأخبرت عائلتي أنني أنوي التقدم لخطبة إحدى زميلاتي في الكلية. كانوا داعمين للغاية وشجعوني. شعرت أن كل شيء يسير على ما يرام. على الطريق الصحيح.
أنهيت دراستي، وحصلت على إعفائي من التجنيد، وعدت لأتحدث معهم بشأن طلب الزواج، لكن الرد كان صادمًا: لا، لم يوافقوا. قالوا: "ليس من بلدنا". في لحظة، تحول كل التشجيع إلى رفض، وتلاشى كل ما قيل سابقًا.
وُضعت في موقف محرج للغاية أمام الفتاة. كانت بريئة تمامًا، ولم أستطع إخبارها أن المشكلة لم تكن فيها... بل كانت فيّ وفي عائلتي. كان الحل الذي اخترته هو أسوأ حل ممكن. شرحت لها السبب، ثم اختفيت من حياتها تمامًا دون مواجهة حقيقية، ودون أن أقدم لها التفسير الكامل الذي تستحقه. تركتها تواجه الفراغ الذي خلقته.
حطمني هذا الموقف، ليس فقط عاطفيًا؛ بل حطم صورتي الذاتية كرجل من صعيد مصر وطبيب. بعد ذلك، تركت المجال تمامًا. دخلت مهنة مختلفة تمامًا. كان الأمر كما لو كنت أهرب من كل ما يذكرني بتلك الفترة.
بعد ذلك، تزوجت زواجًا تقليديًا مدبرًا. وافقت الفتاة الأولى التي تقدمت لخطبتها على الفور، رغم أنني لم أكن مقتنعًا تمامًا. لكنني كنت قد فقدت الأمل في أن تسير الحياة كما أريد، فقلت: "حسنًا، لنكمل". كنت على الطريق الصحيح.
بارك الله لي بعد ذلك. افتتحت مشروعي الخاص، والحمد لله أنه كان ناجحًا. عملت خارج مصر وحققت الكثير مما كنت أحلم به مهنيًا. رزقني الله بابنة... أحبها حبًا جمًا، فهي أغلى ما أملك.
من الخارج... تبدو الصورة مثالية: رجل ناجح وزواج مستقر. لكن من الداخل... ينقصني شيء ما. شعور بعدم الرضا ينتابني كلما تذكرت لحظة خوفي، لحظة تفضيلي الأمان على نفسي.
لحظة صمتي بدلًا من مواجهة عائلتي. يأتيني هذا الشعور فجأة، فأجد نفسي أفقد الاهتمام بزوجتي وابنتي. زوجتي لا تفهم ما يزعجني، وهي بدأت تشكّ في أنني أخونها أو أنني تزوجتُ ثانيةً بسبب كثرة سفري. المشكلة أنني لا أستطيع أن أشرح لها أن الأمر ليس كذلك على الإطلاق. أشعر وكأنني أعيش حياةً اخترتها بعقلي في أوقات الهزيمة، لا بقلبي في أوقات القوة. لا أستطيع أن أقول إنني نادم على زواجي، لكنني نادم على النسخة التي... استسلمتُ فيها.
لا أعرف ماذا أفعل حيال هذا الشعور، ولا أريد أن أؤذي زوجتي أكثر من ذلك، أو أن تكبر ابنتي وهي تشعر أن والدها ليس حاضرًا في قلبها حقًا.
في الوقت نفسه، لا أستطيع العودة بالزمن إلى الوراء. أنا حقًا ممزق بين نارين. لقد نجحت في كل شيء تقريبًا... إلا أن أكون راضيًا عن نفسي.
15/3/2026
رد المستشار
شكراً على استعمالك الموقع.
التقاليد البالية والمتخلفة هي التي دفعتك لاتخاذ قرار الماضي ويجب أن تكون صريحا مع نفسك بأن لم تكن مؤهلاً لمحاربتها في ذلك الوقت. هذا ليس بالعيب والشعور بالندم الآن سببه واحد فقط وهو أنك الآن رجل أقوى. في نفس الوقت لا تستطيع تغيير الماضي وخير ما يمكن أن يفعله الإنسان هو عدم حمل نفايات الماضي في حقيبة يستعملها في حاضر.
أنت بحاجة إلى تفريغ مشاعرك عن طريق الاعتراف بالمرحلة التي خسرتها وتأثيرها عليك عاطفيا ومهنيا. عليك أن تفهم مصدر الندم وإن كان الخوف، الخيانة الذاتية، أم الخوف من العائلة.
اكتب ما تشعر به وتحدث عن ذلك مع أحد المقربين وإن أمكن الحديث مع معالج نفساني. حدد ما هو الأهم الآن سلامة أسرتك أم التصرف باندفاع لا خير فيه.
تقرب من زوجتك واحرص على تنظيم جدولك اليومي والتفكير في تحديات المستقبل.
وفقك الله.