يحب البشر أن يضعوا تواريخ نهائية لكل شيء، فهناك «الفرصة الأخيرة»، و«اللحظة الحاسمة»، و«المنعطف المصيري»، وغيرها، نختار هذه التسميات الفخمة لسبب بسيط؛ هو أن الفخامة تجعل الخسارة أكثر قبولًا، وتمنحنا عذرًا مريحًا لنبرر لأنفسنا لماذا توقفنا عن المحاولة بعدها!
نقول إن «الفرصة فاتتنا» لأنها أخفّ على النفس من أن نعترف بأننا كنا مترددين، أو غير جاهزين، أو لعلنا لم ننتبه أصلًا لوجودها، ونفضّل أن نلقي مسؤولية الفشل على الحظ أو الظروف، لأن هذا يجعل القصة أجمل، وأكثر شاعرية، وأقل عبئًا على الضمير وتأثيرا على العقل!
إلا أن الحياة لا تتبع منطقًا سينمائيًا، وليست مباراة تنتهي بعد هدف واحد، فهي في الحقيقة أكثر مرونة، وأكثر سخاءً مما نعتقد، فتُعيد طرح الأسئلة ذاتها ولكن بصيغ أخرى، وتُكرر المواقف بشكل مختلف، وتمنحنا فرصًا جديدة، حتى لو لم تأتِ بنفس الشكل ولا في التوقيت الذي تمنيناه أو كنا ننتظره!
المشكلة ليست في قلة الفرص، بل في الصورة المثالية التي نرسمها في أذهاننا، ونصرّ أن تأتينا كما تصورناها بالضبط، فنظل ننتظر على نفس الباب المغلق، متجاهلين الأبواب المفتوحة التي ظهرت لاحقًا، فقط لأنها لم تشبه الباب الأول، ويا لولعنا بالأشياء الأولى!
كم مرة ظننت أنك خسرت شيئًا ثم أدركت لاحقًا أنه لو تحقق لأصبح عبئًا ثقيلًا عليك؟ وكم من طريق كنت تظنه مغلقًا، فاكتشفت أن في بدايته لوحة تشير لمسار آخر يناسبك أكثر، لكنه كان يحتاج منك أن تنظر للصورة كلها؟
الفرصة التي تظنها ضاعت لم تكن بالضرورة فرصتك الحقيقية، فلربما كانت مجرد انعكاس لرغبة قديمة، أو احتياج لم يعد موجودًا فيك، أو صورة مثالية وضعتها في لحظة عاطفية، ثم نسيت أن تراجعها بعد أن تغيّرت أنت، وتغيّرت الظروف من حولك.
المشكلة أننا لا نكتشف ذلك فورًا، لأن الإحساس بالخسارة يكون قويًا في البداية، فيخدعنا، ويُقنعنا بأننا لن نجد مثل تلك الفرصة مرة أخرى، ويميل إلى أن يجعلنا أبطالاً مأساويين، نروي حكايتنا لكل من يستمع، مكررين نفس الجمل عن اللحظة التي فاتتنا إلى أن نُصدّقها أكثر مما يجب!
الحقيقة، أن ما ظننته خسارة ربما كان مجرد مرحلة انتقالية، أو استراحة قصيرة، أو محطة صغيرة في قصة حياتك الطويلة التي لا تزال تُكتب، فالحياة، على خلاف ما نتصور، لم تتوقف عند فرصة أو لحظة واحدة، وأنت إن كنت لا تزال تقرأ هذا المقال حتى هذا السطر، فهذا يعني أنك لا زلت حيا، وما زلت قادرًا على الاختيار والتغيير والمحاولة من جديد.
أما إن كنت مصرًّا على أن فرصتك الضائعة كانت حقًا فرصتك الأخيرة، فربما يكون من الأفضل ألا تجرّب فرصة أخرى، لأن الحياة على الأرجح ستهديك فرصةً أفضل، وعندها لن تجد حكاية درامية جيدة ترويها لأصدقائك!
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
اتزانك النفسي... في زمن ترامب! / المسافة الآمنة... القرب الذي لا يؤذي!
