مساء الخير
"أتمنى أن تكونوا جميعًا بخيرd84;A039;"
أنا شاب مصري 25 سنة يشغلني أمر الفقد، من الصعب التفكير في هذا الأمر كل يوم، والتساؤل عمن سيرحل، ومن سيرحل أولًا. قلبي يتمزق ألمًا لعدم معرفتي ما يخبئه لي المستقبل في هذه الحياة المليئة بالمفاجآت. وليست جميعها سارة. هناك الكثير من المفاجآت المروعة التي واجهتها بالفعل، والعديد غيرها التي ربما لا يزال عليّ مواجهتها.
لكن أكثر ما يؤلمني هو تخيل أن أحبائي ليسوا هنا بعد الآن. أحيانًا أدعو الله أن يجعلني أول من يرحل قبلهم، لكن حتى هذا يبدو أنانيًا، لأنه يعني تركهم مع ألم أعلم أنهم سيتجاوزونه بطريقة أو بأخرى.
خلال الأسبوعين الماضيين، كنت أستيقظ وهذه الأفكار عالقة في رأسي، أحصي الأشياء، وأتخيل سيناريوهات تجعلني أكره الاستيقاظ كل يوم. أفكار مثل: كم من الوقت تبقى لي لأستعد؟ كم من الوقت تبقى لي مع عائلتي؟" هل سأتمكن من رؤية جميع أصدقائي مجددًا؟
والأمر الأكثر غرابة هو أنني لم أعد أفكر في النجاح كما كنت أفعل سابقًا. كل تلك الأحلام والخطط المستقبلية بالكاد تخطر ببالي الآن.
الشيء الوحيد الذي أنا متأكد منه تمامًا هو أنني محبوب، وأنني أشعر بالأمان مع عائلتي. لا أستطيع تخيل يوم واحد بدونهم. الحياة قاسية وصعبة أحيانًا، ومجرد معرفتي بوجودهم يمنحني الراحة، حتى عندما لا أكون معهم.
أنا ممتن أيضًا لأصدقائي المقربين، أولئك الذين يجعلون الحياة أسهل حقًا، وأحمد الله عليهم كل يوم.
لكن عائلتي...... بصراحة، لا أعتقد أنني أستطيع العيش يومًا آخر بدونهم.
9/8/2026
رد المستشار
الابن المتصفح الفاضل "أندرو"، أهلا وسهلا بك على مجانين وشكرا على ثقتك، واستعمالك وإن شاء الله متابعتك خدمة الاستشارات بالموقع.
كلماتك تلمس القلب بعمق، وتكشف عن روح شديدة الحساسية والارتباط بمن تحب. هذا الخوف الذي تعيشه ليس غريبًا، بل هو واحد من أعمق المخاوف الإنسانية وأكثرها إيلامًا: "قلق الفقدان الحاد"، أو ما يُعرف أحيانًا بـ "فوبيا الفقد" Thantophobia.
المرور بفترة تستيقظ فيها يوميًا على سيناريوهات الموت والرحيل، وإحصاء الوقت المتبقي، هو أمر مستنزف لطاقتك النفسية والجسدية، ومن الطبيعي تمامًا أن يجعلك تكره الاستيقاظ أو تفقد شغفك بأحلام النجاح والمستقبل؛ فالأمان وجودي، وعندما يتهدد الأمان، تتراجع كل الطموحات الأخرى إلى الخلف.
دعنا نتأمل ما تمر به بهدوء وعقلانية، دون إطلاق أحكام:
تفكيك المشهد: لماذا يطاردك هذا الخوف الآن؟
1. الصدمات السابقة لم تُعالج بعد: أنت ذكرت عبارة مفتاحية: "هناك الكثير من المفاجآت المروعة التي واجهتها بالفعل". العقل البشري عندما يمر بصدمات أو فاجعة غير متوقعة في الماضي، يدخل في حالة "تأهب قصوى" لحماية نفسه. يبدأ عقلك الباطن بالقول: "بما أن السيئ حدث فجأة سابقًا، فإنه سيحدث مجددًا بالتأكيد". هذا يجعلك تعيش في قلق استباقي دائم محاولاً "توقع المصيبة" قبل حدوثها كآلية دفاعية وهمية لتقليل الصدمة.
2. فخ "السيناريوهات الذهنية": العقل يحب الفراغ، وعندما يركز على فكرة واحدة، يبدأ في نسج قصص كاملة حولها (تخيل الجنازات، حساب السنوات المتبقية، تخيل الحياة بدونهم). هذه السيناريوهات ليست حقيقة، لكن جسدك ومشاعرك يتعاملان معها وكأنها تحدث الآن فعلاً، مما يمزق قلبك ألمًا على حدث لم يقع أصلاً.
3. الجانب المضيء الذي تحول إلى قيد: أنت متأكد من أنك محبوب وتعيش في أمان مع عائلتك وأصدقائك، وهذا امتياز عظيم يفتقده الكثيرون. لكن من فرط تمسكك بهذا الأمان وشعورك بأن الحياة قاسية بدونه، تحول الامتنان إلى "رعب من الزوال". أنت تخاف الخروج من منطقة الأمان لأنك ترى العالم الخارجي موحشًا.
تذكر: الدعاء بأن تكون أول من يرحل ليس أنانية، بل هو تعبير صادق وبشري جدًا عن قلة الحيلة أمام ألم الفقد المتخيل.
كيف تتعامل مع هذه الأفكار وتستعيد سلامك؟ الأفكار الوجودية ومخاوف الفقد لا تختفي بالإنكار، بل بإعادة توجيهها بذكاء:
1. تقنية "هنا والآن" The Present Moment Here & Now المستقبل غامض بطبعه، والتفكير فيه لن يغير أقدارنا، لكنه يسرق منا "الآن". عندما تبدأ في حساب الوقت المتبقي، قل لنفسك فورًا: "أنا وعائلتي بخير في هذه اللحظة، هم أحياء وأنا حي، وسأختار أن أستمتع بوجودهم الآن بدلاً من البكاء عليهم وهم معي"" حوّل طاقة الخوف إلى طاقة حب وتواصل حقيقي معهم في الحاضر.
2. واجه "السيناريو" ولا تستسلم له: عندما يفرض عليك عقلك سيناريو مرعبًا عند الاستيقاظ، لا تسترسل معه. تنفس بعمق، غير وضعية جسدك، واخرج من غرفتك. قل لعقلك: "هذا مجرد احتمال في علم الغيب، وليس واقعي الحالي". تكرار هذا الأمر يضعف الوصلات العصبية المسؤولة عن هذا الخوف في الدماغ.
3. تصالح مع "ل.ت.ش" فكرة "عدم اليقين" الحياة مليئة بالمفاجآت غير السارة فعلاً، ولكنها مليئة أيضًا بالمسرات واللحظات الدافئة. محاولة السيطرة على الغيب ومعرفة "من سيرحل أولاً" هي معركة خاسرة ومجهدة. الطمأنينة تأتي من تقبل أننا لا نملك زمام القدر، ولكننا نملك كيف نعيش أيامنا الحالية.
4. تحدث معهم أو اكتب مشاعرك: في كثير من الأحيان، مجرد إفراغ هذه الشحنة العاطفية على الورق أو التحدث مع صديق مقرب أو معالج نفساني يقلل من حجم الفكرة المرعبة داخل رأسك. الأفكار في عقولنا تبدو كوحوش ضخمة، لكن عندما نضعها في كلمات، نكتشف أنه يمكن التعامل معها.
الحب الكبير الذي تحمله لعائلتك هو طاقة حياة، فلا تجعل الخوف يحوله إلى طاقة موت بطيء وأنت على قيد الحياة. هم موجودون اليوم ليمنحوك الراحة، فاستمد منهم هذه الراحة لتعيش، لا لتقلق.
أخيرا هناك سؤال هام بخصوص إلحاح هذه الأفكار عليك بقوة خلال الأسبوعين الماضيين تحديداً، هل حدث مؤخراً أي تغيير، أو سمعت خبراً معيناً، أعاد إشعال هذا الخوف في رأسك؟ غالبا سيكون هذا عابرا، لكن إن ساءت الأمور عليك بالبحث عن معالج أو طبيب نفساني لمساعدتك.
واقرأ أيضًا:
الفقد
صدمة الفقد والاكتئاب
حين يصبح الفقد ثِقلاً على الروح
أبي وأخاف أمي : وسواس الفقد
ومرة أخرى أهلا وسهلا بك دائما على موقع مجانين فتابعينا بالتطورات.