أكمل هذا الموقع عامه الثالث والعشرين يوم الخميس 13 أغسطس 2026، ولم أكن أنوي الكتابة بهذه المناسبة لأسباب سأستعرضها في السطور التالية، لولا أن استنهضتني رسالة من أحد الزملاء الأطباء عن تجربته مع مجانين عندها انتبهت إلى أنني يجب أن أتجاوز إحباطي وأكتب لأن ذلك حق المتابعين علي صحيح أني على مدى 12 سنة مضت كنت أعطيت الوعد للناس أكثر من مرة وما مرة صدق وعدي لهم فيما يتعلق بتطوير الموقع حتى أصبحت أمام من يقرأ لي أعد ولا أفي بما وعدت!!، لكن علي رغم ذلك أن أوضح الصورة أو الوضع الراهن، باختصار مجانين الآن موقع قديم بطيء ويضم محتوى فريدا ومهما لكنه غير مخدوم بالصورة التي تليق به، ثم هو مهدد بالتوقف إذا توقفت حياتي، لهذا ربما ترددت إذ ماذا أقول للناس؟
منذ البداية لم يكن أمر مجانين سهلا لأسباب عديدة أهمها أنه موقع عربي فالحصول على مستشار نفساني ذي هم عربي يحب الكتابة باللغة العربية، ومستعد للعمل كمستشار إليكتروني نصي متطوع لم يكن سهلا ولا هو حتى الآن سهل، والحصول على الموظف الذي يتقن اللغة العربية كتابة وإعرابا إضافة إلى مهارات الكومبيوتر أيضًا لم يكن سهلا، ثم ما قمنا به بعد التجديد الأول للموقع سنة 2009 حيث ترك لنا المصمم الهمام الارتباطات القديمة بصيغتها القديمة على أن نصححها يدويا لأن ليس في الإمكان أبدع مما كان كل ذلك لم يكن سهلا بالمرة وبذل فيه مجهود ضخم وعلى مدى شهور طوال، كذلك كان الاستمرار في تلقي الاستشارات وتوزيعها على المستشارين، ثم متابعة المستشارين حتى يصل الرد أو تحول الاستشارة لآخر وهكذا... على مدى 23 عاما أيضًا لم يكن سهلا. ولا عاد.... وإن كان هذا هو النشاط الوحيد الذي استمر الموقع يقوم به بدأب وانضباط طوال تلك السنوات. لأنني أنا الذي أقوم به.
23 عاما حمل العبء معي خلالها كثير من المستشارين أغلبهم لفترة وجيزة أو لفترات متقطعة لكن فئة قليلة صمدت واستمرت أول عضو في هذه الفئة الصامدة كانت د. رفيف الصباغ يرحمها الله من سورية الحبيبة وكانت سندنا ومرجعنا الفقهي 2007-2025 ولم تتركنا إلا لأن الله أرادها عنده فوافتها المنية يوم 28 شوال 1446- 27 أبريل 2025، وأما العضو الثاني وأدأب مستشار نفساني من مستشاري مجانين وأسرعهم نجدة للمستغيث فكان أ.د سداد جواد التميمي من أهلنا في العراق وإن انتقل إلى بريطانيا وقد عمل معنا بدأب وغزارة إنتاج منقطعي النظير منذ 2010 إلى 2026، لكن سداد عافاه الله يصارع المرض منذ منتصف يونيو 2026 ففجأة بعد 16 عاما من العمل الدؤوب أرسل مساء الثلاثاء 17 يونيو يقول: أخي العزيز وائل
أمر هذه الأيام بظروف صحية صعبة جداً، هناك مرض عضال منتشر في جسدي، تم تشخيصه اليوم، ربما سيتأخر ردي على الاستشارات أحيانا
دعواتك
أخوك سداد) أسقط في يدي ووجدت نفسي بعد الصدمة عاجزا عن الكتابة وما أزال حتى استنهضتني سطورك يا "طلحة" ووجدت لدي بعض القدرة على الكتابة مرة أخرى، فبينما يقترب مجانين من بوابة عامه الرابع والعشرين صعدت أنا درجتين فوق عتبة الستين ومعي أغلب المستشارين، ثم ها هي تتساقط أوراق مجانين تباعا فمبكرا رحلت د. نيفين عبد الله، ومن بعدها رحل مستشارنا العراقي الأول د. خليل إبراهيم عليوي، ثم رحل ابننا د. أحمد الموجي ورحل د. عمرو أبو خليل ثم رحلت د. رفيف الصباغ ورحل د. قاسم كسروان رحمة الله عليهم جميعا، ثم ها هو سداد توقف أو يكاد، وكنت عند أول معرفتي بخبر مرضه مليئا بالأمل في شفائه كأن شيئا لم يكن لأن علاج السرطان تطور وازداد فعالية وهو يعيش في إنجلترا ويهتم بنفسه.... لكن الأنباء إلى اليوم لا تشير إلى ذلك مع الأسف....
أعود إلى هم مجانين الثقيل.... كانت بداية الأمر أن شجعني أو ورطني ابن عبد الله في إنشاء وتأسيس الموقع وفعلت ثم كان النجاح أضعاف ما توقعت وجدت أهم أهدافنا يتحقق وهو (التواصل بيننا كأطباء نفسانيين ومهتمين بالصحةِ النفسية والاجتماعية، -على اختلاف خلفياتنا التعليمية، ووحدة خلفيتنا الثقافية المؤمنة بالله-، ثم تواصلنا جميعًا مع جذورنا الثقافية والفكرية، كي نحسن التعامل مع الناس في مجتمعنا)، (يكفيني أن كرر زملائي على مسامعي على مر السنوات أن الموقع الذي أنشأته يقرأه المرضى ويحكون عنه في العيادات، وأن تكتب عن الموقع الجرائد والمجلات وأن تستضيفني الجزيرة الإخبارية أنا و/أو ابن عبد الله، فضلا عن التليفزيون المصري، واللبناني والعراقي.... إلخ في حلقات خاصة عن موقع مجانين) وكثير غير ذلك كان دافعا أكبر وأشد لاكتمال تورطي في هذه المسؤولية.
في البداية أيضًا دعمتني مجموعة مستشاري صفحة مشاكل وحلول التي اختفت الآن من على الشبكة، ودعمني أ.د محمد المهدي، وأ.د السيد صالح وآخرين من الزملاء.... كان الدعم هو التطوع بالرد المجاني على الاستشارات وبما يتيسر من مقالات تتعلق بالعلوم النفسية الاجتماعية، لكن كل ما غير ذلك كان مسؤوليتي أنا... ساعدني محررون ومحررات ومدققون ومدققات على مدى السنوات وبقيت أنا الوحيد الذي لا يأخذ إجازة لمدة 23 عاما متتالية.... ابن عبد الله هو أكبر من خذلني لأنه كان من أغراني بالمغامرة منذ البداية، وما زال يحفزني من حين لآخر لملف جديد أو اهتمام جديد.... لكنه اعتاد أن يورط ثم يسارع بالهرب (وربما يسمي ذلك استنهاضا لقدرات لدى الناس يقوم به لأجلهم ولا يلزم أن يستمر بدعمهم!!)... ربما لهذا السبب لم أعتبره من المرابطين معي، كذلك د. محمد المهدي أصبح منذ السنة الثالثة للموقع مقلا جدا في الرد على الاستشارات واكتفينا بما يغذينا به من مقالات ومدونات.، وأيضًا د. مصطفى السعدني الذي استمر معنا أكثر من عام كان فيها من أنشط المستشارين ردا على الاستشارات وتدوينا وتولى مسؤولية المنتدى ثم قرر التوقف فجأة.... ود. السيد صالح كان منذ اليوم الأول يتأخر في الرد وما يزال.... ولم يكن أحد يستطيع استعجالهم إلا أنا فلا يجرؤ المحرر أو المحررة على ذلك... وهو ما أدى في أغلب الأحيان إلى قلة الاستعانة بهم في الرد على الاستشارات، وعلى مر السنوات عرفنا وجربنا كثيرا من المستشارين والمستشارات منهم من اكتفينا برد واحد منه ومنهم من اكتفى برد أو ردين ومنهم تكاسل بعد نشاط لافت مثل أ. لمى عبد الله، د. ملهم الحراكي وأ. حسام الشريف وأ. حسن خالدي وآخرون. وأما الباقون المرابطون فكانت د. رفيف يرحمها الله ود. سداد عافاه الله ود. حنان طقش ود. علاء مرسي ود. علي إسماعيل عبد الرحمن وكلهم من الأعضاء الأقدمين المؤسسين في الموقع ثم د. محمد عبد الحكيم سليم وحديثا انضم إلينا كل من د. إبراهيم يونس ود. ماري جرجس...... هذا على مستوى المستشارين ولا يختلف عما يتوقع أن يحدث في الحياة.
لكن مشكلة مجانين الحقيقية والمزمنة لم تكن أبدا في مستشاريه بقدر ما كانت في مؤسسه أي العبد لله، وفي عددٍ من المبادئ والسمات التي ولدت داخلي أو استشعرتها لأول مرة والتزمتها واعيا وغير واعٍ ربما لإحساسي بمسؤولية تجاه المحتوى العربي على الإنترنت، إذ كانت مشكلتي هي أن أجد من يتقن اللغة العربية والإنجليزية ويمتلك معرفة جيدة عن علم النفس والطب النفساني.... كي أستطيع تفويضه في أمور مجانين، توسمت خيرا في كثيرين وجربت آخرين وفي النهاية تراكم الإحباط ولم يكن ما أريده ممكنا.... بقيت عالقا إذن أنا لسنوات... وكان آخر ما انتظرت هو أن يستلم ابني د. أحمد أبو هندي المسؤولية لكنه رفض ولم أر الضغط عليه مفيدا لأنه ببساطة من النوع السائد من الأطباء النفسانيين ليست لديه اهتمامات أدبية، ولا يراني على حق فيما أعطي من جهد ومال في مجانين.
أعوص المشكلات التي نتجت عن ذلك العجز عن التفويض وما تزال هي المركزية الشديدة والرقابة المستمرة خوفا على دقة اللغة وهو أسلوب لا يبدو أنه يتفق مع طبيعة الإنترنت، فلك أن تتخيل أنه حتى تعليقات المتصفحين في مجانين تراجع وتدقق لغويا قبل العرض على الموقع.... وعلى ذلك فقس، ولولا أن يسر الله ليَ أداة الذكاء الاصطناعي التي أصبحت أستخدمها لتدقيق اللغة منذ ستة أشهر لكان من المستحيل استمرار الموقع بنفس المستوى من الأداء ببساطة لأنني لم أعد قادرا على بذل نفس المجهود الذي كنت أستطيعه في سنوات الشباب، وأصبح من الأمانة أن أسلم أمانة الموقع لمن يستطيع إكمال الطريق.
يتعلق كل ما تقدم بصناعة المحتوى النصي لموقع مجانين وبمناجزة أمور الموقع اللوجستية، لكن جانبا آخر من الجوانب لعله أكثر إحباطا ألا وهو التطوير التقني للموقع وتحديثه بما يتلائم مع القفزات الحديثة في لغات الإنترنت، فقد تكرر مرارا أني آخذ الوعد والموعد من المهندس المسؤول عن التطوير وهو نفسه المصمم الأصلي للموقع م. محمد شوقي ثم أعد الناس وأحدثهم عن التطرات المتوقعة، ثم لا شيء يتغير!! وربما أكون شرحت جزءًا من المعاناة الطويلة مع مصمم الموقع لأجل تطويره في عيد ميلاد مجانين الـ18 ومحاولاتنا الفرار منه إلى مصمم آخر فآخر.... واستكمالا لما قصصته في تلك المدونة لم يتمكن م. عبد الرحمن من إنجاز الموقع.... وبالتالي عدنا لشوقي الذي وعد بالإنجاز كعادته ولم ينجز شيئا كعادته أيضًا حتى الآن.... فإن كان ذلك منذ سنوات خمس ما قدر الإحباط الذي يمكن أن نكون فيه إذا كنا ما نزال لم نطور الموقع... لسبب لا أفهمه منذ سنوات يتعطل تطوير الموقع عند المصمم الذي لا هو ينجزنا ولا هو يتركنا وفي نفس الوقت يدعم استمرار بث الموقع فلا تجده يرد إلا في حالة الطوارئ ويصلح ما يلزم من أعطال وفيما عدا ذلك يهرب ويسوف ويهرب ويسوف على مدى ما يزيد على العقد من الزمان!
إذن مشكلة الموقع اثنان أنا والمركزية التي تورطت فيها وورطت الموقع معي، والمصمم الذي ببساطة لا يبدو أنه يهتم -وإن كنت أمامكم أنا المسؤول وحدي- كثيرا ما أعلنت لابن عبد الله وللمهدي وللسعدني أنني لم أعد أطيق الاستمرار في تولي كل شؤون هذا الموقع، لم أرد منه عائدا ماديا ولم أقتصد أبدا فيما أعطيت من مال أو جهد لكنني كعادتي في كل شؤون حياتي لم أخطط، ولا أريد منه اليوم شيئا أريده فقط أن يستمر، اقترحت عليهم بدائل عدة تبدأ دائما من أني أسلم الموقع لجهة ما (أهلية أو حكومية) وأحمد الله على ما مكنني من فعله وهو أعلم بنيتي، عرضت ذلك أيضًا على د. سداد جواد التميمي بينما كنت في ضيافته في لندن سنة 2016.... فكانت الاستجابات دهشة أو صمتا.... ويبدو أن لا أحد يعرف طريقة لحل المشكلة..... طيب فلنفترض أني واصلت المسير متحملا مسؤولية مجانين ماذا بعد رحيلي إلى جوار ربي؟! إن لم يجد هذا الموقع من يتولى مسؤوليته ماذا سيحدث؟!
واقرأ أيضا:
مجانين! موقع يثير فضول العقلاء على الإنترنت / تطوير الموقع ما قل ودل!
