في بداية حياتي المهنية كطبيب نفسي كنت أفحص مريضة جاءت مع ابنتيها واكتشفت أن لديها ضلالات أو وهامات بأنها تمتلك قوة خارقة تستطيع بها أن تشفي المرضى بمجرد ترديد بعض الكلمات والمسح على رؤسهم، ولم يكن هذا غريبا، بل نرى مثله كل يوم ونشخصه بأنه اضطراب ضلالي Delusional disorder، ولكن الغريب الذي أربكني أن ابنتيها كانتا تؤكدان أن ما قالته الأم قد حدث بالفعل أمام أعينهن آلاف المرات، ووعدنني بأن يحضرن الأقارب والجيران الذين رأوا هذا الأمر بأعينهم، وتحدينني أن أحضر أي مريض بمرض مزمن، وهي قادرة أن تشفيه فورا بطريقتها . وهنا استعنت بزميل أقدم في المهنة وسألته كيف يفسر هذه القناعة الجماعية بضلالات المريضة، فأحضر مرجعا كبيرا في الطب النفسي وفتح على فصل بعنوان Shared Delusions ، ومن يومها لم أنس هذه الحالة، وتتبعتها على المستوى الفردي والجماع، وعادت إلى الذاكرة مع ما شهدناه في الأيام الأخيرة من اقتناع أعداد هائلة من الناس بمعتقدات الدكتور ضياء العوضي (نسأل الله له الرحمة والمغفرة) على الرغم من تأكيد كل المؤسسات العلمية وكل العلماء المتخصصين لعدم صحتها، وأن الشخص نفسه صاحب هذه المعتقدات (أو الضلالات) كان ضحية لها.
وتعد الضلالات المشتركة من الظواهر النفسية والاجتماعية المعقدة، حيث لا تتوقف عند حدود الفرد، بل قد تمتد لتؤثر على مجموعات كبيرة. ومع تطور وسائل التواصل، أصبحت هذه الظاهرة أكثر انتشارًا وتأثيرًا، وهي انتقال ضلالة (معتقد وهمي خاطئ وراسخ) من شخص يعاني من اضطراب ذهاني إلى شخص أو أكثر مرتبطين به، وقد تتوسع لتشمل مجموعات صغيرة أو كبيرة.
وحين تكون بين شخص مريض وآخر غير مريض تعرف باسم Folie a deux، وإذا كانت بين شخص مريض وشخصين آخرين تعرف باسم Folie Troi، وإذا كانت بين شخص مريض وعدد كبير من الناس تعرف باسم Mass delusions ، أو ضلالات الجموع.
وتفسر الضلالات المشتركة بعدة احتمالات ومنها: العدوى النفسية: (انتقال المشاعر والأفكار بين الأفراد) أوالتحيز التأكيدي (البحث عن معلومات تؤكد الفكرة فقط)، أو الخوف الجماعي (يزيد من قابلية تصديق الأفكار غير المنطقية)، أو السلطة والتأثير (عندما يكون مصدر الفكرة شخصية مؤثرة أو كاريزمية أو لديها يقين مطلق بما تقول).
ومن أمثلة الضلالات المشتركة: نظريات المؤامرة العالمية (مثل الاعتقاد بوجود قوى خفية تتحكم في العالم، رغم غياب الأدلة)، الهلع الجماعي (حالات تسمم جماعي في المدارس، أو مجتمعات تنتشر فيها أعراض مرضية دون سبب عضوي واضح)، أو حركات جماعية متطرفة (تعتنق أفكار الأمير أو الزعيم رغم أنها أفكار بعيدة تماما عن المنطق والواقع)، أو تصديق الشائعات بسرعة وخاصة وقت الأزمات حيث يتبناها بيقين أعداد كبيرة من الناس.
وتتحول الضلالات إلى ظاهرة عامة مع التكرار المستمر عبر الإعلام والسوشيال ميديا، ومع وجود شخصيات ذات تأثير تروج لها، وفي بيئة مشحونة بالقلق وعدم اليقين، ومع ضعف التعليم وغياب العقل النقدي لدى الجمهور.
ولكي نواجه هذه الظاهرة نحتاج إلى تعزيز التفكير النقدي والتعليم، ونشر المعلومات الموثوقة، وتقليل العزلة الفكرية والانفتاح على آراء مختلفة، وتفعيل دور الإعلام المسؤول، والدعم النفسي للأفراد المعرضين للتأثر، فالضلالات المشتركة ليست مجرد مشكلة نفسية، بل ظاهرة اجتماعية تتطلب وعيًا جماعيًا لمواجهتها، خاصة في عصر تنتشر فيه المعلومات بسرعة كبيرة.
واقرأ أيضًا:
13 طابقا من الصمت: كيف سقطت بسنت ولم يلتقطها أحد؟ / كشف الغطاء... رحلة ميلاد الوعي الكوني
