مصادر سكينة الإيمان3
7. لا إحباط مع الإخلاص
عندما يتعرض الإنسان لما يعوقه، ويصده، ويحول بينه وبين تحقيق أهدافه، أو إشباع الدوافع النفسية، التي فطره الله عليها، فإنه يكون معرضاً للشعور بالإحباط النفسي Frustration، الناجم عن هذه الإعاقة والصد. وكثير من علماء النفس، يرون الإحباط سبباً هاماً من أسباب اضطراب النفس وقلقها وفقدانها لسكينتها واطمئنانها.
والإنسان الغربي يعاني من الإحباط النفسي بسبب عجزه عن تحقيق ذاته في حضارة تدفع الإنسان فيها إلى السعي إلى العلو، والظهور، والتفوق.
لكن الإسلام أراح المسلم من الإحباط عندما جعله يتعلق بثواب الله، ويسعى في كل صغيرة وكبيرة إلى رضاء الله لا إلى إعجاب الناس به، ولا إلى الظهور بينهم، أو اعتلاء مكانة في المجتمع.
إنما يسعى المؤمن إلى مكانة حميدة عند الله تعالى.. والساعي إلى ثواب الله والمكانة عنده لا يمكن أن يتعرض إلى الإحباط، لأن الوسائل إلى بلوغ تلك المكانة عديدة، ولا تعتمد دائماً على الصحة، أو المال، أو غير ذلك.
فالمؤمن الذي يصلي، إن مرض صلى قاعداً، وإن عجز عن القعود صلى على جنبه.
والمؤمن الغني يؤدي الشكر لله لترتفع مكانته عنده، أما المؤمن الفقير، فإنه يبلغ المكانة ذاتها بصبره، ورضاه عن الله.
وقد جعل الله كل عمل نعمله من شؤون دنيانا عبادة شريطة أن نحرص فيه على الحلال ونتجنب الحرام فيصبح المباح سبباً لنيل الأجر لما تضمنه من الحرص على الحلال واجتناب الحرام، وشريطة أن تخلص نوايانا من أية رغبة في العلو في الأرض، أو الفساد فيها. قال تعالى: "تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ" [القصص: 83].
فالذي لا يريد العلو في الأرض، ولا الفساد فيها، وهو مؤمن بالله واليوم الآخر تصفو نيته، وتخلص لله في كل شيء، ويكون عمله الذي به يكسب رزقه عبادة، وسعيه من أجل الرزق الحلال عبادة، والمال الذي ينفقه على زوجته وأطفاله صدقة عظيمة الأجر.
ولنتأمل ما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- إذ قال: قال رسول الله ﷺ: "دِينارٌ أنْفَقْتَهُ في سَبيلِ اللهِ ودِينارٌ أنْفَقْتَهُ في رَقَبَةٍ، ودِينارٌ تَصَدَّقْتَ به علَى مِسْكِينٍ، ودِينارٌ أنْفَقْتَهُ علَى أهْلِكَ، أعْظَمُها أجْرًا الذي أنْفَقْتَهُ علَى أهْلِكَ" (رواه مسلم).
إذاً الرجل المؤمن المخلص لله، الذي يعمل، وينفق على زوجته وأطفاله، أجره أعظم ممن يتصدق، أو يعتق الرقاب، أو حتى ينفق في سبيل الله، وذلك ما بقي إنفاقه على عياله فيما أحل الله، ودون إسراف، أو تبذير، أو تباه وتفاخر.
وقد سألت أم سلمة -رضي الله عنها- رسول الله ﷺ عن نفقتها على أولادها الذين مات أبوهم، وليست بتاركتهم على أية حال، هل لها فيها أجر؟ فقال لها رسول الله ﷺ: "نَعَمْ، لَكِ أجْرُ ما أنْفَقْتِ عليهم" (متفق عليه).
وقال ﷺ: "وإنَّك لنْ تُنفِقَ نفقةً تبتغي بها وجهَ اللهِ إلَّا أُجِرْتَ به حتَّى ما تجعَلُ في فِي امرأتِك" (متفق عليه). "في فِي امرأتِك" أي: في فمها، وقال أيضاً: "إِذَا أنْفَقَ الرَّجُلُ علَى أهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا فَهو له صَدَقَةٌ" (صحيح البخاري).
وبالإخلاص أيضاً: يصير عمل المرأة في بيتها، وتربيتها لأطفالها، عبادة كالجهاد في سبيل الله.. وحتى الشهوة إن أتاها المؤمن بالحلال مجتنباً الحرام، كان له فيها أجر تقواه التي تجلت خلال إتيانه لها، فعن أبي ذر -رضي الله عنه- أنَّ ناسًا من أصحابِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالوا للنبيِّ ﷺ: "يا رسولَ اللهِ! ذهب أهلُ الدُّثورِ بالأجورِ، يُصَلُّون كما نصلي، ويصومون كما نصومُ، ويتصدقون بفضولِ أموالِهِم، قال: أَوَلَيْس قد جعل اللهُ لكم ما تَصَدَّقُون؟ إن بكلِّ تسبيحةٍ صدقةً، وبكلِّ تكبيرةٍ صدقةً، وبكلِّ تهليلةٍ صدقةً، وبكلِّ تحميدةٍ صدقةً، وأمرٌ بالمعروفِ صدقةٌ، ونهيٌ عن منكرٍ صدقةٌ، وفي بُضْعِ أحدِكم صدقةٌ! قالوا: يا رسولَ اللهِ! أيأتي أحدُنا شهوتَه ويكونُ له فيها أجرٌ؟! قال: أرأيتم لو وضعها في حرامٍ أكان عليه فيها وزرٌ؟ قالوا: بلى، قال: فكذلك إذا وضعها في الحلالِ كان له فيها أجرٌ" (رواه مسلم).
وحتى الأكل والشرب، يكون للمؤمن فيهما أجر، ويرفعان مكانته عند الله. قال النبي محمد ﷺ: "إنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ العَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا" (رواه مسلم).
وحتى إن كف الإنسان شره عن الناس يكون له بذلك أجر، قال أبو ذر -رضي الله عنه- "قُلتُ: "يا رَسولَ اللهِ، أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ؟ قالَ: الإيمانُ باللَّهِ والْجِهادُ في سَبيلِهِ قالَ: قُلتُ: أيُّ الرِّقابِ أفْضَلُ؟ قالَ: أنْفَسُها عِنْدَ أهْلِها وأَكْثَرُها ثَمَنًا قالَ: قُلتُ: فإنْ لَمْ أفْعَلْ؟ قالَ: تُعِينُ صانِعًا، أوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ قالَ: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، أرَأَيْتَ إنْ ضَعُفْتُ عن بَعْضِ العَمَلِ؟ قالَ: تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ فإنَّها صَدَقَةٌ مِنْكَ علَى نَفْسِكَ" (رواه مسلم) ("تُعِينُ صانِعًا، أوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ" أي: تعين آخر في عمله وإن كان لا يحسن العمل تقوم أنت بالعمل بدلاً منه)
وحتى العاهات الشديدة كالعمى، والشلل، لا تحبط المؤمن، ولا تعوقه عن بلوغ مكانة عند الله تعالى. قال النبي محمد ﷺ عمن يبتليه الله بحبيبتيه، أي: بعينيه فيصيبه بالعمى: "إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ قال إذا ابتليتُ عبدي بحبيبَتيهِ ثم صبرَ عوَّضتُه بها الجنَّةَ" (رواه البخاري). وهذا لمن صبر، أما من سخط، فله السخط والغضب من الله فوق مصيبته.. فالمكانة عند الله مستقلة عن القوة البدنية، أو الغنى، أو الجاه، وأي فقر أو حرمان من الصحة، أو المال، أو غير ذلك، لن يمنع المؤمن من بلوغ المنزلة الكريمة عند رب العالمين؟!
قال النبي محمد ﷺ: "إنَّ مِن عِبَادِ اللَّهِ مَن لو أَقْسَمَ علَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ" (رواه البخاري).
وقال أيضاً: "أَلا أُخْبِرُكُمْ بأَهْلِ الجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ، لو أقْسَمَ علَى اللهِ لأَبَرَّهُ، ألا أُخْبِرُكُمْ بأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عتلٍّ جَوّاظٍ مُتَكَبِّرٍ" (رواه البخاري).
ومما ورد عنه ﷺ قوله: "رُبَّ أشعثَ أغبرَ ذي طِمرَينِ، مُصفَحٌ عن أبوابِ النَّاسِ، لو أقسمَ على اللهِ لأَبرَّهُ".
8. لا قلق مع التوحيد الخالص
إن للقلق الإنساني أسباباً متنوعة، ومن هذه الأسباب، اعتقاد المرء أن أحداً من الناس يملك له نفعاً أو ضراً.
فإنك إن ظننت أن إنساناً ما بيده أن ينفعك، أو أن يضرك، بغض النظر عن إرادة الله، فإنك عندها تصبح فريسة القلق النفسي، لأن ابن آدم متقلب بطبعه، وأنت لا تعرف متى ينقم عليك فيحرمك النفع الذي يأتيك عن طريقه، أو يوقع بك الضر الذي تخشاه.
لكن الإسلام بعقيدة التوحيد الخالص، يعلمنا أن الله هو النافع، وأن الله هو الضار، وأن الناس لن ينفعونا إلا بشيء قد كتبه الله لنا، ولن يضرونا إلا بشيء قد كتبه الله علينا.
وهذا اعتقاد أساس لصحة عقيدة المسلم، إذ الظن أن أحداً من الناس يملك لنا نفعاً أو ضراً هو نوع من الشرك الخفي، الذي يفقد النفس أمنها، واطمئنانها، وسكينتها:
قال تعالى: "الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ" [الأنعام: 82].
وقال أيضاً: "وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ" [لقمان: 13].
وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "كنت خلف النبي محمد ﷺ يوماً فقال: يا غُلامُ، إنِّي أعَلِّمُك كَلِماتٍ: احفَظِ اللهَ يَحفَظْك، احفَظِ اللهَ تَجِدْه تُجاهَك، إذا سألتَ فاسألِ اللهَ، وإذا استعَنْتَ فاستعِنْ بالله، واعلَمْ أنَّ الأمَّةَ لو اجتمَعَت على أن ينفَعوك بشَيءٍ، لم ينفَعوك إلَّا بشَيءٍ قد كتَبَه الله لك، ولو اجتَمَعوا على أن يضُرُّوك بشَيءٍ، لم يضُرُّوك إلَّا بشيءٍ قد كتَبَه اللهُ عليك، رُفِعَت الأقلامُ، وجَفَّت الصُّحُف" (الترمذي وقال: حسن صحيح).
لذا فإن تعرض المؤمن لتهديد من الناس، فإنه يأخذ حذره، ويعد عدته لحماية نفسه، وهو في الوقت نفسه متوكل على الله الذي قال في كتابه الكريم: "...وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا" [الطلاق: 3].
وعندما وصلت الأنباء إلى المسلمين بعد مصيبتهم في أحد، أن المشركين قد جمعوا لهم، قالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل:
"الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)" [آل عمران: 173 - 174].
أما الخير فيطلبه المؤمن من الله وليس من العباد، فما هم إلا وسائل يقدر الله الخير من خلالها:
قال تعالى: "... فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ ۖ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" [العنكبوت: 17].
وقال أيضاً: "قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" [آل عمران: 26].
ثم إننا لو حللنا القلق النفسي إلى المشاعر المكونة له، لوجدناه يتضمن الخوف من أن يأتي المستقبل بما لا يسر مع الإحساس بالعجز، وانعدام الحيلة تجاه ذلك.
فلو خاف الإنسان من وقوع أمر لا يحبه، لكنه أحس بالثقة أنه يستطيع أن يفعل شيئا ليمنع وقوعه، وليتلافاه، فإنه لن يشعر بالقلق، ذلك أن الإحساس بالعجز تجاه الخطر المتوقع، والإحساس أنه ليس باليد حيلة، هو السبب الرئيس وراء القلق. لكن المؤمن يجب ألا يشعر بالعجز أبداً، فهو بعد أن يبذل وسعه وما يقدر عليه، ويتوكل على الله، يبقى لديه الدعاء، والدعاء ليس وسيلة الضعيف العاجز، بل هو سبب من الأسباب يجب أن نبدأ به، وأن نضيفه إلى كل جهد نبذله.
ومع التوكل والدعاء، يجب على المؤمن أيضاً ألا يحرص على شيء بعينه حرصاً شديداً، فيتصور عدم الحصول عليه خسارة ما بعدها خسارة، فلعل فيه الشر له وهو لا يعلم.
قال تعالى: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" [البقرة: 216].
ويتبع: مصادر سكينة الإيمان5
واقرأ أيضا:
سيكلوجية الإيمان والكفر9 / تأملات نفسية في الزكاة 2