![]() |
إنها بعض قصص عائلية تلخص المخاوف والهموم والصراعات والضغوط التي تختبرها وتعيشها أسرة الزوج المصاب بمرض نفسي، وغالبًا ما يستولي على أمثال هذه الأسر الشعور بالخزي والذنب والحيرة من سوء الفهم. مع ذلك، فهناك حالات أكثر تجد فيها الأسرة أنها قد ترابطت ترابطًا قويًّا، وهي تكافح مجتمعة لمواجهة قوة لا يستطيعون فهمها أو التغلب عليها، إنها قصة من الصبر والجلد والشجاعة المصحوبة بالهدوء تمضي في أحيان كثيرة من غير أن تجد من يرويها، فحين يصاب أحد أفراد الأسرة بمرض نفسي تتأثر حياتها تأثرًا شديدًا، ويتعرضون جميعهم للتوتر والقلق والاختلال، وفي حال كون الزوج هو المريض، يقع الغرم الأكبر على الزوجة، التي ينبغي أن تتحمل أعباء إضافية كثيرة.
وفي مجتمعاتنا الشرقية لا يزال البعض منا يرفض المرض النفسي، ويعده غضبًا من الله بسبب معصية ارتكبها المريض، أو روحًا شريرة ترتع في جسده لتعذبه، في حين ينظم الأطباء والمختصون المؤتمرات والحملات العالمية، بقصد زيادة التوعية للاعتراف بالمرض النفسي على أنه مرض ورثته الحياة مثل السكر في الدم أو الضغط، وأن جلّ ما يحتاجه المريض هو الدواء المنتظم والكثير من الحب والصبر ليس إلا.
في هذا الوضع، تتقارب وتتباعد التحليلات والآراء التي تدور في جنبات الأروقة العامة والخاصة، لكن هناك ما يناقش عن الحياة اليومية للزوجة في هذه الحال: ماذا تقول زوجة المريض؟ كيف تعيش؟ هل هي مهددة أم أن الأدوية أعطتها الأمان حقًا؟ هل تستمر معه، أم تأخذ فلذات أكبادهما طالبة الأمان في مكان بعيد عنه، وتدعه ليأسه، لشكوكه، وآلامه يواجه مصيره وحيدًا؟
لكني لم أتوقع.. الفصام!!
عدد من الزوجات اللاتي يعايشن المشكلة كانت لنا معهن هذه اللقاءات فتقول السيدة "ب": قبل أن نقترن كان انطوائيا وخجولاً، كان يعاني من صداع في رأسه بعض الأحيان، وعندما ارتبطنا برباط الزواج، وأنجبنا ولدين، ازدادت متاعب الحياة ومتطلباتها، وأخذ ألم الصداع يزداد أيضًا، وانعزل شيئًا فشيئًا عن الناس، لكني لم أتوقع أنه سيأتي يومًا إلى البيت مذعورًا وخائفًا من رجال الشرطة الذين يلاحقونه، ويطلب مني أن أسرع إلى الأبواب لأوصدها، وإلى النوافذ لأحكم إغلاقها، ويشير إلى أعلى الجبل الذي يشرف عليه منزلنا لأرى كاميرات تصوير موجهة نحونا تراقب تحركاتنا. عيناه الغائرتان في وجهه كانتا مليئتين بالرعب، ويداه المرتجفتان كانتا تحيرانه إلى أي اتجاه يشير، الآن وبعد عشر سنوات من مسيرة حياة كان المرض هو المسيطر على ساعاتها ودقائقها، والذي سمي من قِبل من عاينه أنه مرض الفصام، أجدني أتوجه بالسؤال لك أهي أقدار أم ماذا تسمينها؟
تبقى أم تتركه؟
لم أجد جواباً يشفيها، فتحججت بسؤال آخر اكتشفت أنه كان أمرّ من سابقه، إذ سألتها عن حياتها فلم تجد الكثير لتتحدث عنه، وعادت بالحديث إليه، وكأنه أصبح هو "كل حياتها".
أما السيدة "ع" التي تعرض زوجها للمرض ذاته، فقد اختارت أن تبتعد عنه، وأخذت أولادها وسكنت في بيت آخر، فهو قد يؤذيها ويؤذي أطفالها. أما السيدة "ب" فقد بقيت معه؟ سألتها لماذا لم تتركيه؟ أجابت: "لأن الله يعطي لكل إنسان نصيبا في هذه الحياة، وأنا نصيبي هكذا كان".
السيدة "س" تعيش مع زوجها المريض، وتقول عنه: إنه يشكك في كل تصرفاتي، يغلق الأبواب والنوافذ، كي لا أرى أحدًا، ولا يسمح لأحد بزيارتنا، يضربني ويضرب الأولاد أيضًا، ينهال علينا بسيل من الشتائم البذيئة. في البداية كنت لا أتجرأ أن أجاوبه، لكن الآن أصد يده وأبادله الشتيمة بالأخرى، نعيش حالة فزع حقيقية، ورثت لي أمراضًا جسدية مختلفة، عندما يلتزم بالدواء يكون الوضع مستقرًا، لكن عندما يرفض أن يأخذه تحدث مآس قد يكون أحدنا فيها الضحية، أنا ما عدت قادرة على تحمل المزيد، فالرعب "نشف دمي"، يتصرف وكأن الشيطان يحركه -أعاننا الله-.
أرعاه مثل العين المصابة
وكان للسيدة "ف" اقتراب آخر من المسألة فتقول: إن الأمر كله شديد الوقع عليه، فهو ضحية المرض، نحن نلومه على الضعف الذي يحس به، لكنه يعرف مع ذلك أنه عاجز عن إبعاد المرض بإرادته، ويشعر بالإثم والذنب مما يعجز عن أدائه، ويشعر بالحزن بسبب الحياة التي يفتقدها، مدرك أنها تتسرب بعيداً عنه، ويشعر بضياع الأمل وبالعجز وقلة الحياة. أحاول أن أرعاه مثل "العين المصابة بالرمد"، لكن عندما يعاوده الاكتئاب، تسيطر عليه فكرة الانتحار، تجد أفراد الأسرة جميعهم في حالة من الاستنفار، فأنا وحيدة لا أستطيع أن أقاومه، نرافقه كظله، نبعد عنه الآلات الحادة، الأدوية، الحبال، نقفل الأبواب والنوافذ... ولا يغيب عن أنظارنا، حتى تزول عنه الحالة، كلنا يصلي كي تنتهي النكسة بسلام. في إحدى المرات أنقذناه، وهو يحاول أن يلقي بنفسه من أعلى السطح، وأحضرناه إلى المستشفى في حالة إسعاف، وبعد أن أخذ الدواء عاد إلى حالته الطبيعية مستغربًا كيف سيطرت فكرة الانتحار عليه، أنا لا أعترض على مشيئة الله، ولكني أحبه جداً، وأريده أن يبقى معنا، أنا خائفة ومتوترة ليس منه وإنما عليه، وأفعل ما يطلبه مني الطبيب، وبالحرف الواحد.
أقرت لنا إحدى الزوجات بأنها لجأت إلى الكثير من الأطباء، ولم يستطيعوا شفاء زوجها، فقالت في نفسها قد يستطيع السحرة وكاتبو الحجاب أن يقدموا المساعدة له، وأحضرت من لبنان حجابًا دفعت ثمنه بالورق الأخضر (الدولار)، وقيل لها بأن تضعه منقوعًا في أحد السوائل ليشربه، واقترحوا عليها إبريق الشاي، لكنها اكتشفت أنها أنفقت مالها بغير موضعه، وأن حالة زوجها لم تتحسن، وأنه بقي على ما هو عليه.
ماذا يقول المختصون؟
كان من الحتمي بعد استعراض تلك المشاهد الحياتية الحية أن نلجأ لمختص يجيب عن الأسئلة التي تدور بالأذهان، وقد توجهت للأستاذ الدكتور محمد أديب العسالي المتخصص في الطب النفساني فناقش معنا بعضا من علامات الاستفهام.
إن أشد ما تتأثر به الزوجة عندما تعرف أن زوجها له سوابق مرضية قبل أن يقترن بها ولم يصارحها، حيث تصاب بخيبة أمل مضاعفة، الأولى عندما تكتشف أنه خدعها، والثانية حقيقة أن زوجها مريض، وحتماً سيتغير رأيها بالزوج. وفي حال إصابته بالمرض بعد الزواج فإن الزوجة ستتأثر بطبيعة المرض الذي يصيب زوجها وبسيره.
وهناك نوعان من الاضطرابات التي تصيب المريض حيث قال: إذا كان الزوج يعاني من اضطرابات نفسية مثل حالات القلق أو الخوف التي تجعل من زوجها شخصاً اتكاليا غير قادر على حمل مسؤولياته، وبالتالي ستتحمل مسؤولية الأسرة كاملة، وستقوم بدوره داخل الأسرة، وستقدم له العون من خلال مراقبة وضعه الصحي، إلى أن تنتهي الأزمة بانتهاء أعراض المرض وعودته إلى وضعه الطبيعي.
أما إذا كان الزوج يعاني من اضطرابات في الإدراك، بحيث يصبح تفكيره مشوشًا، ولا يستطيع إدراك المحيط، وتسيطر عليه أفكار خاطئة، ويسمع أصواتًا من حوله، عندها يكون وضع المريض معقدا أكثر، وليس هناك فائدة من مناقشته بالأفكار الخاطئة، ويفضل أن تتجاهل الزوجة كلامه، وهنا تكون الأخطار بالنسبة للزوجة كبيرة.
إن الخطر يكون عندما تدعوه هذه الأصوات ليؤذي نفسه، وطبعًا هو لا يخطط لهذا الأمر، وإنما في لحظة انفعال مفرط أو نتيجة خوف شديد يصبح الزوج عنيفًا، وقد يضرب نفسه، وفي حالات الاكتئاب الشديد يفكر بالانتحار، ومع الأسف فإن 10% من مرضى الاكتئاب ينجحون في إحدى محاولات الانتحار، وفي بعض الحالات قد يؤذي المحيطين به لا سيما زوجته، وذلك نتيجة عدم ثقته بنفسه، وشعوره بالدونية والنقص، وبالتالي يعتقد أن زوجته لن تهتم به، وستهتم برجل آخر، وتظهر هنا الغيرة المرضية حيث يشك في تصرفاتها، وهذا الوضع هو أخطر ما تتعرض له الزوجة؛ لأن هناك حالات نعرفها انتهت بقتل الزوجة، في حين يدخل الزوج إلى السجن نتيجة فعلته هذه، وتجدر الإشارة بأن الإدمان على الكحول أو المخدرات من الأمور التي تزيد الغيرة المرضية وعندها لا بد أن نعالج المريض النفسي من الإدمان بالاستعانة بالطب النفسي.
نعم قد تشعر الزوجة بالملل والتعب، ومثالي على ذلك مرض الفصام الذي يعد من الأمراض المزمنة والوراثية، والمقررة على الشخص قبل أن يخلق، وهي ناتجة عن خلل كيماوي وراثي يقع في منطقة معينة من الدماغ، مثل هذه الأمراض لم يتمكن العلم من تحديد دواء ينهيها مثله مثل مرض السكر أو الضغط، وهو بحاجة إلى دواء ينهي على الأقل الأعراض المسببة للمرض، وتزول الأعراض طالما أن المريض يتناول الدواء، بصورة منتظمة، وقد تصل أسرة المريض لحالة من الملل واليأس؛ لذلك لا بد من البداية أن تسأل الزوجة الطبيب عن الحالة المرضية وسيرها.
نموذج راق للدعم
وذلك في بعض الدول الراقية أصبح فيها مجموعات خاصة لأهل مرضى الفصام، ومجموعات خاصة بأهل مرضى الاكتئاب، ليساعدوا ويدعموا بعضهم بعضًا، ولتتم الاستفادة، وتكون هذه المجموعات كمتنفس للزوجة أو لأهل المريض يتحدثون فيها عن ألمهم ومعاناتهم، ويكون هناك نوع من البوح يساعد على تفريغ الحزن الناتج عن المعاناة التي يسببها وجود مريض في حياة الأسرة ويمكن أن تساعد في كيفية التعامل مع المريض.
أعتقد أن اختلال التوازن بنظام الأسرة نتيجة مرض الأب سيوطد العلاقة بين الأولاد والأم بصورة قوية، ليعوض الأولاد عن فقدانهم لأبيهم وهذا وضع مرضي، فالطفل يقترب للتصرفات الأنثوية التي يتعلمها من أمه مع غياب الأب مثله الأعلى للسلوك الذكوري، كما أن وجود التوتر المستمر يجعل الكثير من الأولاد يظنون العصبية بالتعامل هي أمر طبيعي، كما أن سيطرة الأم على الأسرة ليس أمرًا صحيًّا؛ لأن الولد قد يخاف في المستقبل التعامل مع الجنس الآخر، أو يولد لديه شعورًا بالخمول تجاه الجنس الآخر، وبالتالي يصبح غير مؤهل لبناء أسرة وتحمل مسئوليتها.
أما بالنسبة للفتاة إذا رأت أن الأم تضرب ممكن أن تخاف التعامل مع الرجال في المستقبل، وفي حال رؤيتها الأم مسيطرة على الأسرة قد تجد أنها لا بد أن تمارس ذات السيطرة على أسرتها في المستقبل، وهو ما يؤدي إلى مشكلات في التعامل مع زوجها ومع الناس أيضًا، ويأتي هنا دور الأم الزوجة التي لا بد أن تكون واعية للطرق التي قد يتأثر بها الطفل، وأن تدع درجة معينة من الحب والاحترام للأب، وتحاول أن تقدم لهم القدوة الصالحة بأن توجه أنظارهم نحو العم أو الخال أو أستاذ المدرسة، وعن طريق الحوار تقول لهم بأن الوضع ناتج عن المرض.
لا بد ألا نخجل من المرض النفسي، هو ليس عارًا، وليس ناتجًا عن ضعف شخصية المريض، أو نقص في دينه. المرض النفسي هو مثل أي مرض آخر يظهر عند الأشرار والمتدينين، ولا يميز بين غني أو فقير، والاضطرابات النفسية موجودة في كل المجتمعات.
وأضاف الدكتور أن هناك حملة منظمة من قبل الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية والرابطة العالمية للطب النفسي، موزعة على دول كثيرة من العالم، لإزالة الوصمة المرافقة للأمراض النفسية، وبصورة خاصة للأمراض المرافقة للفصام، وهذه الحملة لم تصل سوريا لكن إخوتنا في جمهورية مصر يعملون فيها، وهدفها أن تدعو الناس للتعامل مع المريض النفسي وكأننا نتعامل مع مريض القلب أو المعدة وعلى أن هذا الشخص يحتاج إلى مساعدة وليس الرفض أو الابتعاد عنه أو لومه.
متى تطلب الانفصال عنه؟
لا يوجد مرض نفسي ميؤوس منه والأمراض النفسية جميعها تشخص وتعالج، وحتى الحالات المعقدة أو الصعبة لها علاج، وعندما لا يستجيب المريض للعلاج، حتمًا يكون هناك خطأ سواء من البيئة التي يعيش فيها؛ إذ إنها تعرّضه لضغوط وانتقادات وتأخذ موقفًا عدوانيًّا منه، أو قد يكون هناك خطأ في تشخيص الطبيب المعالج، وبالتالي في العلاج. ولا بد أن ننتبه إلى أنفسنا كيف نتعامل مع المريض إذا كان لا يستجيب، إضافة إلى أن استشارة أكثر من طبيب لنتأكد من التشخيص، والعلاج المتبع، ونواظب عليه لأن التوقف عنه يؤدي إلى حالة الانتكاس.
واقرأ أيضا:
طفل في عيادة نفسية.. تجربة لا تدعو للخجل)1-2( / ضرار المريض النفسي؟ Patient Abuse?