مساء الخير
أشعر باكتئاب شديد. الوحدة أمرٌ محزنٌ للغاية. لقد مرّت أيام، أسابيع، أشهر، ربما ما يقارب العام قبل أن يسأل أحدهم عني. أنا مكتئبةٌ تمامًا، وأنتقل إلى أيامٍ جديدةٍ وحدي. أحتاج إلى أصدقاء، لم تكن لديّ صداقاتٌ أو علاقاتٌ في حياتي.
كانوا يقولون لي: أنتِ ذكية، جميلة، محبوبة، ذات ابتسامةٍ طيبة، وقلبٍ طيب. كيف ذلك؟! وليس لديّ أشخاصٌ حولي.
حاولتُ أن أكون قوية. حاولتُ أن أنصح الناس بالبقاء أقوياء، إنها طريقةٌ لحب أنفسهم أكثر، لكنني لا أستطيع تحمّل ذلك. أنا متعبةٌ جدًا. أحتاج إلى شريك، أشعر أنني كبرتُ على أن يكون لديّ أصدقاءٌ مرةً أخرى.
الحياة صعبةٌ جدًا، كل شيءٍ صعبٌ جدًا. ليس لديّ من أتحدث إليه، كان هذا مجرد اعترافٍ أدليتُ به لأُخفف عني وطأةَ الحزن، ولأُخفف عني ليلتي التي لا أستطيع فيها النوم لأيامٍ بسبب الاكتئاب. الوحدة...
أنا متأكدة أنني سأكون أكثر إشراقًا وقوة. أكثر إشراقًا، لكني غارقة في الحزن.
وأنا أحب ما أنا عليه.
31/12/2025
رد المستشار
مساء الخير يا "ماريا"، أشكرك على شجاعتك في كتابة هذا الاعتراف الصادق. ما عبّرتِ عنه ليس ضعفًا، بل وعيٌ عميق بالألم، والوعي هو أول درجات التعافي.
أود أن أبدأ بتأكيد أمرٍ مهم: ما تشعرين به مفهوم إنسانيًا ونفسيًا. الوحدة المزمنة ليست أمرًا بسيطًا، بل تُعد من أقسى الخبرات النفسية، وقد تكون سببًا مباشرًا في أعراض اكتئابية حقيقية، خاصة حين تمتد لفترات طويلة دون احتواء أو مشاركة وجدانية.
أولًا: عن التناقض الذي يؤلمك
سؤالك الضمني: «إن كنتُ ذكية، جميلة، محبوبة..... فلماذا أنا وحدي؟» هذا السؤال شائع جدًا لدى الأشخاص ذوي الحساسية العالية والعمق الفكري. الحقيقة النفسية هنا هي:
القيمة الداخلية لا تضمن تلقائيًا وجود علاقات.
العلاقات تحتاج فرصًا، وبيئات، وتوافقًا، وأحيانًا شجاعة تعلّم مهارات لم نُتح لها سابقًا، وليس لأنها غير موجودة، بل لأن الحياة لم تمنحنا المساحة الآمنة لذلك.
ثانيًا: عن الإرهاق من "القوة"
محاولتك أن تكوني قوية، وأن تنصحي الآخرين بالقوة، بينما أنتِ منهكة.... هذا ما نسميه نفسيًا الإجهاد الوجداني الناتج عن الدور العلاجي.
أن تكوني قوية لا يعني أن تتحمّلي وحدك.
القوة الحقيقية الآن هي أن تعترفي: «أنا متعبة، وأحتاج.» وهذا ما فعلتِه، وهو تصرّف صحي وناضج.
ثالثًا: عن الشعور بأنك "كبرتِ" على الصداقة
هذا الاعتقاد شائع لكنه غير دقيق نفسيًا. ما يحدث غالبًا ليس أننا كبرنا على الصداقة، بل: نصبح أكثر حذرًا، أقل اندفاعًا، وأكثر احتياجًا لعلاقات عميقة لا سطحية، وهذا يجعل تكوين العلاقات أبطأ، لا مستحيلًا.
رابعًا: مؤشرات تستحق الانتباه
من حديثك، تظهر بعض العلامات التي لا ينبغي تجاهلها: شعور بالاكتئاب ممتد زمنيًا، أرق متكرر، وحدة مؤلمة، إرهاق نفسي واضح، وهذه مؤشرات قد تتوافق مع نوبة اكتئاب، وليس مجرد حزن عابر.
وهنا أقولها بوضوح مهني: الحديث مع أخصائي نفساني ليس رفاهية، بل حقك في الرعاية.
خامسًا: نقاط قوة حقيقية لديك
رغم الحزن، كلامك مليء بإشارات صحة نفسية: وعي ذاتي، قدرة على التعبير، حبك لما أنتِ عليه، وإيمان داخلي بأنك ستشرقين من جديد
هذه ليست كلمات جميلة فقط، بل أسس علاجية قوية.
سادسًا: ماذا تحتاجين الآن؟ (بشكل عملي)
شخص واحد آمن: ليس مجموعة أصدقاء، بل إنسانة واحدة يمكنك الحديث معها بصدق.
احتواء مهني: جلسات علاج نفسي لمساعدتك على: تفريغ هذا الحمل، فهم جذور الوحدة، إعادة بناء شبكة دعم تدريجيًا، التوقف عن جلد الذات: وحدتك ليست فشلًا، بل مرحلة.، وتنظيم النوم والمزاج: لأن الاكتئاب يزداد مع الأرق، والعكس صحيح.
أخيرًا… يا "ماريا"، كونك تقولين: «أنا أحب ما أنا عليه» وسط هذا الألم، يدل على نور داخلي لم ينطفئ.
أنتِ لستِ غارقة لأنك ضعيفة، بل لأنك سبّاحة في بحر عميق.
وصدقيني:
الإشراق الذي تتحدثين عنه ليس بعيدًا، هو فقط يحتاج يدًا تمسك بك قليلًا، لا أكثر.