مساء الخير
انتقلتُ إلى مصر قبل عامين تقريبًا بسبب الوضع السياسي في بلدي، وخلال العامين الماضيين شعرتُ بالفقد والضياع. المصريون طيبون ورائعون، ومصر منحتني الأمان، لكنني فشلتُ في نواحٍ كثيرة. كنتُ بحاجة إلى عمل يناسب خبرتي، حتى لو كان براتب منخفض، لأندمج في المجتمع، لكن ذلك لم يحدث. كنتُ آمل في الحصول على الجنسية بفضل قريب من الدرجة الأولى؛ من المفترض أن يتم ذلك في الظروف العادية، لكن العملية استغرقت أكثر من عام ولم تنجح.
التقيتُ شابًا وانجذبتُ إليه بطريقة غير عادية. بعد أكثر من ست سنوات، عندما سمحتُ له أخيرًا بفتح قلبي مرة أخرى، كان ساحرًا ولطيفًا، لكن الأمور لم تنجح منذ البداية. التقينا مرة أخرى بعد عام، ولم تنجح الأمور أيضًا. اعترف بأنه غير مستقر، أو ربما كان يتجنبني لأنه رأى مدى ضياعي. لم أستطع الجزم. توقفتُ عن الرغبة في أن يعرف الناس هويتي الحقيقية حتى لا ينظروا إليّ كلاجئة، ولا أريد أن أنتمي إلى أي مكان وأن أكون الخاسرة في سني.
أتلقى علاجًا نفسيًا، لكن معالجتي متطوعة، لذا لا أشعر أنني أستطيع إخبارها بكل ما أمرّ به حتى لا تشعر بالعجز. مع أنها تساعدني كثيرًا، إلا أن هناك جوانب معينة يصعب عليّ التحدث عنها بخصوص هويتي الحقيقية مع أي شخص.
أما عائلتي، فهم موجودون جسديًا لكنهم غائبون عاطفيًا. منذ طفولتي، وهم منشغلون بمشاكلهم الخاصة، ولكلٍّ منهم طريقته الخاصة في الهروب منها. إن كانوا يعرفون عني شيئًا، فهو نفس ما يعرفه الجميع.
نشأتُ في بيئة معتدلة، لا منفتحة جدًا ولا منغلقة جدًا. تمتعت بحريتي باعتدال وضمن حدود أخلاقية، لكنني مؤخرًا أشعر برغبة شديدة في تجربة الكحول والشعور بالخدر والنسيان. هذه الرغبة ليست عابرة؛ إنها مستمرة ولا تزول أبدًا. أعرف حتى من أين سأشتريه لو قررت تجربته. الآن لدي فرصة للسفر إلى أوروبا للدراسة والعمل، ومنذ ذلك الحين أكدت خطط السفر، والآن أجد نفسي عالقةً في دوامة لا أستطيع الخروج منها.
أشعر برعب مما سيأتي، وقد تخليت عن إحدى هواياتي التي كنت أمارسها طوال العام الماضي، تلك التي ساعدتني كثيرًا على الصعيد النفسي. هجرتها فجأة وأهملت كل شيء آخر في حياتي. من المحزن للغاية مغادرة مصر بهذه الحالة النفسية.
أنا ممزقة بين البلد الذي احتضنني ومنحني الأمان، وبين الشعور الذي لا يُطاق بالفشل والخسارة والوحدة الذي عانيت منه خلال العامين الماضيين. أعلم أنني إذا غادرت مكانًا بهذه المشاعر، فلن أعود إليه أبدًا. أخشى مما سيأتي، ورغم أن مصر أكثر انفتاحًا من المكان الذي نشأت فيه، وفيها العديد من المغريات، إلا أن هناك مستوى معينًا من الأمان لتجنب ارتكاب الأخطاء. لكن أوروبا مظلمة وموحشة، وسأكون وحيدةً.
أخشى أنني أهرب من مصيبة إلى أخرى أسوأ.
أحتاج إلى الراحة أكثر من الحلول.
12/1/2026
رد المستشار
أهلا وسهلا بحضرتك ضيفة عزيزة على قلوبنا كمصريين وعلى موقعنا كمتخصصين واضح من رسالتك أنها أقرب إلى التفريغ الانفعالي والفضفضة لأنك مش طالبة إجابات ولا قرارات جاهزة، أنتِ طالبة استراحة من حملٍ طويل.
أولا ما تمرّين به عبارة عن إرهاق ممتد، إرهاق نزوح، وانتظار، وهوية معلّقة، وحب لم يكتمل، وعائلة حاضرة بالجسد غائبة بالقلب، ومستقبل يضغط عليكِ قبل أن تكوني جاهزة له. لقد عشتِ في وضع غير إنساني لفترة طويلة، ومن الطبيعي أن تتعبي قليلا.
مصر كانت بالنسبة لك ملجأً، وليس وطن، فأحيانًا الأماكن تحتضننا لننجو فقط، لا لنزدهر، والنجاة بحد ذاتها ليست خسارة. وأن تغادري وأنتِ متعبة لا يعني خيانة، ولا يعني أن مصر ستختفي من داخلك. أحيانًا نغادر الأماكن ونحن نحملها معنا، لا ندفنها.
عن الشعور بأنك "لاجئة"، هذا الإخفاء للهوية ليس كذبًا، لكنه حماية نفسية خاصة عندما تُختزلين في كلمة، فهذا شعور مؤلم، فمن حقك أن تختاري متى تُكشَفين ومتى لا.
ورغم أنك لم تفصحي عن معاناتك النفسية وهل هناك اضطراب نفسي أم لا وهل هناك علاج دوائي أم لا لكنك ركزت عن علاقتك بالمعالجة وشعورك بأنك لا تريدين تحميلها عجزك، فلا تقلقي فالمعالج مهني ومتخصص ولا ينكسر حين يسمع الحقيقة، بل يتعب للوصول إلى ما لا يُقال. ومع ذلك فالصمت أحيانًا مرحلة علاجية، لا خطأ.
الأخطر ما جاء في رسالتك عن الرغبة في الخدر، فهي رغبة في إيقاف الإحساس.حين تتراكم الخسارات بلا مساحة للحزن، فالعقل يبحث عن زر "إيقاف مؤقت" أنتِ واعية، وتعرفين الحدود، وهذا مهم، ولا أرى في كلامك اندفاعًا، بل مقاومة صامتة، والنضج أن نواجه لا أن نختفي أو نعمل سكون مؤقت، تحدثي عن هذا ضروري مع معالجتك، تحدثي عن مخاوفك وخططك وستجد لك بدائل أفضل.
أوروبا ليست مظلمة بحد ذاتها، لكن المظلم هو أن تذهبي إليها وأنتِ منهكة بلا يد تمسكك من الداخل. وأنتِ الآن لا تحتاجين شجاعة، بل تحتاجين لطفًا مع نفسك، وخطط واضحة ورؤية ذاتية متزنة ويمكنك التواصل مع معالجتك وأنت هناك.
أهم شيء الآن لا تتخذي قرارات كبرى وأنتِ في هذه الحالة، ولا تحاكمي نفسك على التوقف عن هوايتك؛ ولا تجبري نفسك على "القوة".
بل اسمحي لنفسك أن تكوني متعبة، خائفة، غير جاهزة، وغير واضحة.فهذا ليس سقوطًا
هذا توقف اضطراري بعد مسافة طويلة.
وفقك الله وتابعينا