مساء الخير
أرجو أن تكونوا بخير وشكرا على هذه الخدمة،
لا أعرف حقًا من أين أبدأ، لكن كما تعلمون، كم هو مُرهِق أن يكون المستقبل غامضًا، مليئًا بالمجهول والشكوك حول المشاكل التي قد تواجهني؟ ثم هناك ضغط إضافي يتمثل في معرفة أنني سأواجه حتمًا مشاكل في المستقبل بسبب أمرٍ حدث، مثل ختان الإناث... لا أعرف كيف أبدأ، لكن الجميع يقول إن الزواج نفسه له تحدياته، بدءًا من التأقلم مع شخصية الشريك، مرورًا بالمسؤوليات الجديدة، وصولًا إلى المنزل الجديد. فكيف أتوقف عن القلق بشأن فكرة أنني سأواجه مشاكل في المستقبل بسبب هذا؟ كيف أتوقف عن الغضب من عائلتي بسبب ما فعلوه؟ وكيف أتعامل مع الحب والكراهية معًا؟
بالطبع، هناك حكمة في كل شيء يعلمها الله وحده، لكن فكرة أن يسألك أحدهم باستمرار: "متى ستتزوجين؟ متى ستستقرين؟" ولا أستطيع شرح ذلك... حسنًا، إذا كنتُ أحب شخصًا ما... كيف لي أن أحبه قبل أن أشرح له مشكلتي؟ ولماذا أشرحها إن لم أكن أحبه؟
إذن، أول ما يجب عليّ فعله عند مقابلة شخص ما هو إخباره بما حدث لي؟ بالطبع، لا يجب أن أكذب عليه، ولكن كيف لي أن أتحدث إلى غريب عن أثقل ما في قلبي؟ إنها حلقة مفرغة لا يحلّها إلا الله.
ما يزعجني هو أن والدينا مرّا بنفس التجربة ومع ذلك استمرا. وما يزعجني أكثر هو فكرة أنني كنتُ قادرة على أن أكون شريكة حياة وأمًا صالحة، ولكن بعد ذلك تأتي الصدمة. والشعور بأنني لن أكون كافية. هل تعرفين أولئك النساء القويات اللواتي يشترطن في عقد زواجهن ألا يتزوج أزواجهن بامرأة أخرى؟ هذا شيء أشعر أنني لا أستطيع فعله، مهما بلغت ثقتي بنفسي.
هناك جزء مني يشعر بأنني لستُ كافية، أو أنني لستُ جيدة بما يكفي للزواج. لن يفهم أحدٌ ممن لم يمرّ بهذه التجربة. هو سيفهم، وآمل ألا يفهمها أحدٌ غيره، وآمل أن تشعر جميع الفتيات أن هذا يكفي.
لكن من المؤلم للغاية أن تشعري بأن جسدكِ قد انتُهك، وأن أقرب الناس إليكِ، حاميكِ في هذا العالم، قد فعل بكِ هذا. ثم تشعرين بالذنب لأنكِ مستاءة منه لأنكِ تحبينه. لكن لماذا أنتِ مستاءة؟ ثم تجدينه أول من يضغط عليكِ بشأن الزواج. هل أنتِ جادة؟ مشاعر متضاربة كثيرة.
كيف يُمكنني أن أحب شخصًا ويُحبني في المقابل؟ هذا أكثر ما يُزعجني في الحياة. أعني، إذا أحببتُ شخصًا أو أحبني، فسيُسبب ذلك مشاكل بالتأكيد لأن هذه هي طبيعة الحياة الصحية. لكن كيف يُمكن أن يكون صحيًا وهو أكثر ما يُسبب التوتر في الحياة؟ لا أعرف لماذا أكتب هذا، ولا أحب حتى الحديث عن هذا الموضوع، لكنني لا أعرف.
لا أعرف. أتمنى لو لم يحدث لي هذا، فلو كنتُ صبورةً، لكان هذا مدخلاً إلى الجنة بإذن الله. لكنني لا أتمنى ذلك لأي فتاة. العالم وفكرة أن هذا يحدث لثلاثة أرباع الفتيات المصريات أمرٌ محزنٌ للغاية. يقول البعض أحيانًا إن وجود الكثيرات مثلكِ يُسهّل الأمر، لكنه في الحقيقة أمرٌ فظيع، لا يُسهّل الأمر، بل يزيده كآبةً.
أشعر أن خططي المستقبلية كلها تدور حول العمل، العمل، العمل، لا شيء غيره. لا أطيق فكرة الزواج والشعور في عيني زوجي بأنني غير كافية. ربما لهذا السبب أرفض أي رجل يُلمّح إلى شيء ما، لا أعرف.
وفكرة عدم القدرة على مواجهة العائلة بهذا الأمر لأنكِ لا تريدين إزعاجهم، لكن أحيانًا تشعرين: "وماذا في ذلك إن انزعجوا، تمامًا كما أنا منزعجة منهم؟"
أعتقد أن العقل البشري أضعف من أن يتحمل كل هذه المشاعر المتضاربة.
ماذا أفعل؟!
10/6/2026
رد المستشار
الابنة المتصفحة الفاضلة "منة" أهلا وسهلا بك على مجانين وشكرا على ثقتك، واستعمالك وإن شاء الله متابعتك خدمة الاستشارات بالموقع.
بداية أحييكِ على شجاعتكِ الكبيرة في صياغة هذه المشاعر التي وصفتِها بدقة شديدة: "أثقل ما في القلب" ما تشعرين به ليس مجرد أفكار عابرة، بل هو مزيج معقد من الألم، الغضب، الخوف من المستقبل، والشعور بالظلم، وهو رد فعل طبيعي وإنساني تماماً تجاه تجربة قاسية ومؤلمة مثل ختان الإناث. وإن لم تعطنا أنت أي تفاصيل عن الرض Trauma الذي تعرضت له؟ لكن حملكِ لهذه المشاعر المتضاربة—بين حب الأهل والرغبة في حمايتهم من الانزعاج، وبين الغضب العارم منهم لأنهم كانوا هم حاميكِ وفي نفس الوقت من سمحوا بهذا الانتهاك—هو أمر مرهق ومستنزف لأبعد حد. لستِ وحدكِ في هذه الدائرة، وكلامكِ عن أن وجود ضحايا آخرين لا يقلل من الألم بل يزيده كآبة، هو عين الحقيقة؛ لأن الألم الفردي لا تقل قيمته لمجرد أنه مشترك.
فلنحاول معا تفكيك هذه الحلقة المفرغة خطوة بخطوة:
1. التعامل مع الغضب والمشاعر المتضاربة تجاه الأهل
• تقبّلي التناقض: من الممكن جداً، ومن الطبيعي إنسانياً، أن تحبي والديكِ وتغضبي منهما في نفس الوقت. الحب لا يلغي الألم الذي تسببوا فيه، والغضب لا يعني أنكِ جاهدة في كرههم. هذا التناقض لا يعني أن عقلكِ ضعيف، بل يعني أنكِ تمرين بظرف مركب.
• تخفيف جلد الذات: لستِ مطالبة بمواجهتهم إذا كان ذلك سيزيدكِ عبئاً، ولكنكِ أيضاً لستِ مجبرة على التظاهر بأن كل شيء على ما يرام طوال الوقت. ضغطهم عليكِ بمسألة الزواج نابع من "منظورهم" التقليدي، لكنه لا يعبر عن واقعكِ أو جاهزيتكِ النفسية.
2. فكرة "أنكِ لستِ كافية" والزواج
• أنتِ كافية تماماً: الختان أو الانتهاك الجسدي الذي تعرضتِ له في طفولتكِ لا يُعرّف قيمتكِ كإنسانة، ولا كشريكة حياة، ولا كأم مستقبلية. هذا الفعل طال جسدكِ، لكنه لم يمس روحكِ، قدرتكِ على العطاء، ذكاءكِ، أو أهليتكِ للحب.
• العلاقة الحميمة والزواج: التخوف من عدم القدرة على إسعاد الطرف الآخر أو النقص هو تخوف شائع جداً، ولكن الوعي الطبي والنفسي اليوم يؤكد أن العلاقة الزوجية الناجحة تُبنى على المودة، الرحمة، التواصل، والتفاهم المشترك، وليست مبنية على صورة نمطية مجردة. هناك الكثير من النساء اللواتي مررن بنفس التجربة ويعشن حيوات زوجية مستقرة ومشبعة لأن الشريك كان متفهماً وداعماً.
3. معضلة "متى وكيف أشرح مشكلتي للطرف الآخر؟"
هذه الحلقة المفرغة (هل أحبه أولاً أم أخبره أولاً؟) تبدو معقدة، لكن حلها يبدأ من إعادة ترتيب الأولويات:
• لستِ مضطرة للشرح في البداية: عند التعرف على شخص ما، لا يجب أن يكون هذا الموضوع هو أول ما يُطرح. فترة التعارف الأولى تفحص القبول التلقائي، التوافق الفكري، والارتياح النفسي.
• متى يُفتح الموضوع؟ عندما تشعرين أن العلاقة بدأت تأخذ طابعاً جاداً وحقيقياً، وعندما تتولد لديكِ ثقة وأمان تجاه هذا الشخص. الرجل المناسب، الذي يستحقكِ ويستحق أن يكون شريكاً لحياتكِ، سيتلقى هذا الأمر بتفهم، احتواء، ودعم، ولن يراكِ ناقصة أبداً. إذا كانت ردة فعله غير ذلك، فهو ببساطة ليس الشخص المناسب لكِ.
4. الهروب إلى العمل والاستقلالية
التركيز على العمل حالياً هو آلية دفاعية ممتازة لحمايتكِ ومنحكِ شعوراً بالسيطرة والاستقلالية، وهذا شيء رائع. استخدمي هذه الفترة لبناء نفسكِ وتأمين مستقبلكِ، ولا تنظري للزواج كفكرة إجبارية يجب أن تحدث الآن. خذي وقتكِ كاملاً للتعافي.
ماذا تفعلين الآن؟
البحث عن دعم متخصص: المشاعر الناتجة عن صدمات الطفولة تحتاج إلى مساعدة من طبيبة نفسية أو أخصائية نفسية متخصصة في التعامل مع صدمات الختان (وهناك العديد من المتخصصات في مصر حالياً يقدمن هذا الدعم بسرية تامة) العلاج النفسي (مثل العلاج المعرفي السلوكي أو علاج الصدمات) سيساعدكِ على إعادة تصالحكِ مع جسدكِ، والتخلص من شعور الذنب والخوف من المستقبل.
أنتِ تملكين وعياً كبيراً وقدرة عالية على التعبير عما بداخلكِ، وهذا أول طريق الشفاء. تذكري دائماً أن ما حدث لكِ في الماضي لم يكن بيدكِ ولم يكن ذنبكِ، لكن تشكيل مستقبلكِ ورؤيتكِ لنفسكِ هي الحاضر الذي تملكينه الآن. تمنياتي لكِ بالسلام الداخلي والطمأنينة.
اقرئي على مجانين:
الاستبيان قبل الختان : مكرمةٌ أم هوان؟!
هل الختان عاهة؟!
ختان البظر أم العقل: خارطة نظرة شمولية
الختان والشهوة الجنسية
ربما اكتئاب وربما عواقب الختان الكربية
ومرة أخرى أهلا وسهلا بك دائما على موقع مجانين فتابعنا بالتطورات.