كان للأشياء المجهولة سحرٌ خاص، قبل أن تأتي الكاميرات لتكشف كل زاوية، والخوارزميات لتحلل كل سلوك، والبيانات لتتنبأ بكل رغبة، كان هناك فضاء رحب للتخيل والدهشة، للسؤال الذي لا إجابة له، أما اليوم فكل شيء مكشوف، مُفسَّر ومُحلَّل، حتى الغموض نفسه صار سلعة نستهلكها في أفلام الإثارة!
قدرنا أن نعيش عصر الشفافية المطلقة، حيث كل لحظة موثقة، وكل فكرة مسجلة، وكل شعور له تفسير علمي، حتى أحلامنا صارت مجرد نشاط كهربائي في الدماغ، والحب مجرد كيمياء حيوية، والسعادة مجرد تغيرات هرمونية، وفقدنا تلك المساحة السحرية بين المعرفة والجهل، تلك الأرض الوسطى حيث يسكن الخيال!
أتذكر حين كانت الرسائل البريدية تأتي بعد أسابيع، والانتظار يملأ الفراغ بألف احتمال، أما اليوم فالرسائل تصل في ثانية، و«آخر ظهور» على الـ«واتس أب» يفضح كل شيء، فلا مجال للتخيل، ولا مساحة للشوق الذي يبني قصصه الخاصة، فكل شيء فوري ومباشر، وممل في وضوحه القاتل!
الخرائط الرقمية كـ«غوغل مابس» حوّلت الضياع من مغامرة إلى خطأ تقني، فلم نعد نكتشف الأماكن صدفة، بل نذهب إليها بدقة جراحية، ونعرف كم دقيقة سنستغرق وأي طريق سنسلك، بل حتى أين سنركن السيارة، فاختفت متعة الضياع الجميل، ذلك الضياع الذي كان يقودنا أحياناً لاكتشافات أجمل من وجهتنا الأصلية!
وسائل التواصل الاجتماعي قتلت غموض الآخرين، فصرنا نعرف ماذا أكلوا على الإفطار، وأين قضوا إجازتهم، ومع من تشاجروا، ومتى تصالحوا، ما عاد شيء يُترك للخيال، حتى اللقاءات بعد غياب فقدت دهشتها، فنحن نعرف كل شيء مسبقاً، نلتقي وكأننا لم نفترق، فلا جديد هنالك لنكتشفه!
العلم نفسه، رغم روعته، سرق منا بعض السحر، فقد شرح لنا كيف يحدث قوس قزح، ولماذا تلمع النجوم، وكيف تحلق الطيور، إجابات رائعة بلا شك، ولكنها قتلت أسئلتنا الشاعرية، تلك الأسئلة التي كانت تفتح أبواباً في الخيال أوسع من أي إجابة علمية دقيقة!
حتى أنفسنا ما عادت بذلك الغموض، فاختبارات الشخصية تصنفنا في خانات محددة، والتطبيقات الإلكترونية تحلل مزاجنا وتصرفاتنا، وتلك الساعات الذكية تخبرنا متى ننام ومتى نستيقظ، أما تلك الخوارزميات اللعينة فباتت تعرف ما نريد قبل أن نعرفه نحن، لقد اصبحنا كتباً مفتوحة حتى لأنفسنا، ففقدنا ذلك الفضول اللذيذ لاكتشاف جوانب مجهولة من ذواتنا، نعم يا سادة، فالغموض لم يكن مجرد جهل، بل كان مساحة للاحتمالات اللانهائية، كان الفضاء الذي تتنفس فيه الأحلام، وتنمو فيه القصص، وتزدهر فيه الأساطير، كان الظل الذي يمنح الضوء معناه، والصمت الذي يمنح الكلام قيمته!
فلنحاول استعادة بعض الغموض الصحي في حياتنا، ولندع بعض الأشياء دون تفسير، ولنقاوم رغبتنا في معرفة كل شيء فوراً، ولنسمح للخيال لا البيانات الدقيقة بملء بعض الفراغات، فالحياة التي تُكشف كل تفاصيلها تفقد سحرها، والإنسان الذي يُحلَّل كل سلوكه يفقد شغفه، ولعل ثراء الوجود ليس فيما نعرفه، بل ما لا نعرفه، تلك المساحة الغريبة في الوعي التي تذكرنا أن بعض الأشياء تكون أجمل كثيرا، حين تبقى لغزاً!
٣٠ أكتوبر ٢٠٢٥
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
جراحنا النفسية بين التعافي.... والشفاء! / صورتي الجديدة!
