إلى أحمد التهامي في تكساس. (ما يزال في تكساس!).
"المجاهد الأكبر".... أتذكرونه؟... جاهدنا (في تونس) وغلظ علينا، حتى لقد أوشك أن يخرجنا من الملّة. لا، بل فعلها "في تحصّل معناها"!... يتردّد ذلك همسا - إن أرهفت السمع - في عمقنا العربي!... وهل أبقى من الزّيتونة المنارة الّتي كان علمها يضيء بعضُه بعضَ الكون.(كان يضيء ولو لم تمسسه نار).... هل أبقى من ذلك شيئا، أو شيخا يحمل كتابه بيمينه، ويملك عينين ولسانا وشفتين، لم تُفخّخ أو تُروّض، أو تُحمَل على الزّلّة والذّلة، فيقرأ في هويّتنا، ويستطلع فينا ملّتنا، ويُفتينا فينا، ويبيّن لنا إنْ شاء واستطاع، الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الحلّة الرّماديّة "في تحصّل معناها"، كما دأب في عُمُره الطّويل على القول (ولكَم تطول أعمارهم!).... الحلّة العجيبة الّتي حيكت لنا، أو حاكها هو مع شياطين من طين في باريس، وفي غفلة "منا" . وعاند خلال تاريخ مرير طعمه مرّ، فيه بأس شديد ومهالك لنا كي نلبسها، فيحيق البؤس والعهر والمكر السّيّئ بنا، حتى لَيُوشك أن يصير أصيلا فينا، فنكون "الأمّة التّونسيّة". ونقنع بها، ونقتنع معه بأنّها حلّتنا القشيبة، وليست مزقة من أمّة مزقوها شرَّ ممزَّق على قاعدة "فرّق تسُد" وسادوا!... وصنعوا في كياناتها زعامات وهيأوا لها أنظمة، لتكون حاضنة مخملية ودافئة، لمشروعهم الأثير "إسرائيل". وتكون أرض "إسرائيل الكبرى" من النيل حتى الفرات، ومن المسجد الأقصى حتى المسجد الحرام، وديعة عند أولئك "أبناء الحلال"...!
وكي نلحق بركب الأمم المتحضّرة كما كان بورقيبة يرى (والحقّ ما أرانا إلّا ما رأى!)... كان لا بدّ أن يركبَنا ما بقي فينا. ويتطوّع فيتبرّع فيمدّ يده بطاعة وبراعة، ليُركب الّذي أركبَه علينا، علين.... ولا يزال، وإلى ما شاء الله بعد!
"بالرّوح بالدّم نفديك يا بورقيبة.... بالرّوح بالدّم...." واجرح - اختبارا - من شئت منهم وانظر، هل ترى دما يسيل منه، أم ينزّ البول بدل الدّم !؟...
أيّ بذاءة ونتونة، أيّ عفونة ورعونة؟ هل يرشح بذيء البذاءة هذا عن بشر؟!... إلّا إذا أسميناهم مجازا متى مُسخوا أكياس بول وبراز...! استخلصهم "الزّعيم" له، واستخفّهم فأطاعوه. كدأب فرعون وقوم فرعون. ثم أسماهم تدليسا وتلبيسا وتجاوزا "مواطنين". ولجهاده مثل جهادهم، أسماه بنو سعود "المجاهد الأكبر"...!
سَل في العالَمِين.... هل في الأمم من تجيد صناعة الدّكتاتور، وتكتوي بالناّر، وتتجلّل بالعار، في ظلّه وذلّه وإذلاله. في ظلمه وضلاله وظلامه مثلنا؟!
سَل في الشّرق والغرب، في تاريخ الشّعوب وجغرافيا الأرض وحتّى السّماء إن استطعت.... سيشهد الثّقلان (معشر الجن والإنس) شهادة، ومن يكتمها فإنّه آثِم قلبُه! وسيقول الحجر والشّجر: يا عربا يا مسلمين.... ولا أمْهَر منكم في ذلك!
صحيح كان العرب يصنعون (في الجاهليّة) آلهتهم بأيديهم. لكنهم يجعلونها أحيانا من حلوى. يعبدونها، ثم يأكلونه...!
تلك الجاهلية الأولى إذن. الآن… بعث الله لنا من طوروا معنا صناعتنا، وطوّعوا لنا التّراث، و أغلقوا علينا دائرة السّوء بإحكام. أفاقها المتوالية التّالية: يصنعون لنا منا وبنا دكتاتورنا. يمنحونه (فنمنحنه) الشرعية والشريعة وأسماءَه الحسنى. ينفخون فيه (فنَنفُخ فيه)… ثم نصير له قصعة! نعم قصعة!!
لقمة سائغة، لكَم هي سائغة...! ويأكلُنا بالهناء التّام وتمام النَّهم.... مع آله وذويه، ومع الأكلة الغازية والمتداعية.... ثمّ حين يُتخمُ ويقضي عليه الأجل.... تجِدُ منّا وفينا، الجماهيرَ الغفيرة، تلطم عليه الخدود، وتشقّ الجيوب والقلوب، وتشيّعه بالبكاء والعويل، وتجادل عنه باللّسان الطّويل، ثم تعود، لتعيد الكرّة، وتجدّد العهد مع المتوالية، ومع العهر والعهد الجديد...!
(2)
كنّا أطفالا. وكنّا غالبا حفاةَ عراةَ وجَوعى، وكان التّشوّه البورقيبيّ قد تعقّب البؤس فينا، وأوغل فطال كَبِد براءتِن.... وكنّا في حرقة أو بِركة ندواتنا المعرفيّة الأولى، حين نتطارح حول إشكاليّة الموت على غير هدى من أحدِ وبلا دليل.... ونسأل عمّا إذا كان بورقيبةُ سيأتيه يومٌ ويأخذه الموت إليه.... كنّا نجيب غالبا بالنّفي!
ولكن، كلّما تعلّق الأمر بالحرَس (البوليس)، أتعرِفون؟... كنّا واثقين موقنين، نعتقد جازمين بأنّ الحرَس.... لا يموت!
من هنا، أنا أفهم تماما حين كبرت وسمعت كيف دعا ذلك الكهل (الطّفل الكبير)، من ولاية قَفْصَه المغتربة، في البلاد المغتربة، ومن فرط الاغتراب كادت ذات تمرّد مجنون وتحت غطاء "ثوريّ جماهيريّ أخضر" أن تنشقّ فتنفصل، ثمّ ارتدّت.... مدّ المسكين عُنُقَه وتطلّع من بين الحشد الغفير في وَلَهٍ طلعةَ الزّعيم "البهيّة"، وفتح عقيرته هاتفا له بالدّعاء:
- "يا بورقيبة.... يرّاك حرَس"...! (أي رُقّيت إلى حرس!).
نعم. كان بورقيبةُ زعيما مهيابا ذا سطوة (على شعبه). وجلب لبلاده الاستغلال (هكذ...!)، تماما وبصريح معنى الكلمة في تحصّل معناها. وبفصيح لسان أهل السّودان، الّذي يقلب القاف إلى غين، بلباقة بليغة ساحرة، لعلّها هي "الحركة التّصحيحيّة" الصّحيحة وحده.... ولم يكن الاستغلالَ وحسب، وهو ما جلبوه أيضا وفي نفس العام للسّودان وإنّما، وعلى رأي الكاتب السّوداني جعفر عباس.... لو أُدخِلت بعضُ التّحسينات، (بعض التّحسينات فقط!).... العمل عليها - الآن - هنا وهناك حثيث وكثيف.... لتصبح البلاد صالحة أن تكون - والعياذ بالله - جهنّم!...
ويتبع >>>>> يحكمنا الصّهاينة...!2
واقرأ أيضاً:
قراءةٌ وترْتيلٌ! / دعيني! / ألغى الرسالة...... ألغاه....!
