مساء الخير
أنا محاسب 26 سنة منذ ثلاث سنوات أعمل في بنك معروف، وهذه أسوأ ثلاث سنوات في حياتي؛ لا أحب العمل ولا أحب الناس الذين فيه ولا طبيعته، ولا حتى فكرة أنني طوال الوقت أضحك على أحد أو أبيع له شيئًا. لست مقتنعًا من داخلي أن هذا هو الصواب، أو أن هذا حتى هو المسار الذي سيوصلني نفسيًا إلى ما أتمناه، ولا حتى ماديًا أشعر أن هذا هو الطريق.
عدد ساعات عمل غير منطقية وضغط غير طبيعي، ولا أعرف ماذا أفعل بعد ذلك. بالنسبة لكل الناس، أنا إنسان جاحد لأنني أريد الرحيل، وسأندم ندمًا شديدًا عندما تذهب إلى شركة أو مكان آخر، ابقَ هنا أفضل. وللأسف، على الرغم من أنني طوال حياتي أستطيع اتخاذ قراراتي بمفردي، إلا أن هذا قرار ثقيل عليّ ولا أعرف كيف أتخذه، وإذا استقلت ماذا سأفعل؟
وكيف سأتحمل أن أجلس فترة بدون دخل في هذا الزمن؟ خصوصًا أن المال يتعبني ويضغط عليّ جدًا، وهذا غالبًا السبب الذي يجعلني مستمرًا في المكان والوظيفة التي لا أحبها ولا أقتنع بها.
لا أعرف حتى إن كانت كتابة هذا الكلام لموقعكم ستحدث فارقًا في شيء، ولكنني أتمنى أن أجد في ردكم رأيًا غير آراء الناس الذين "يخافون عليّ"،
بحيث يكون رأيًا حياديًا ويفيدني فعلاً. شكرًا
21/6/2026
رد المستشار
الابن المتصفح الفاضل "زياد" أهلا وسهلا بك على مجانين وشكرا على ثقتك، واستعمالك وإن شاء الله متابعتك خدمة الاستشارات بالموقع.
رسالتك تعبر عن مأزق يعيشه الآلاف يومياً؛ فخ "الوظيفة المرموقة التي تقتل صاحبها ببطء" من حقك تماماً أن تبحث عن رأي حيادي وعملي بعيداً عن عواطف الأهل والمعارف الذين يقدسون "الأمان الوظيفي" الأعمى، والذين ينظرون إلى اسم البنك وضمان الدخل دون الالتفات لسلامتك النفسية والقيمية.
دعنا نضع العواطف جانباً ونحلل موقفك بمنتهى الصدق والحيادية عبر النقاط التالية:
أولاً: تشخيص الأزمة (أنت لست جاحداً)
ما تشعر به ليس "جحوداً"، بل هو "صراع قيمي ونفسي حاد". عندما تضطر يومياً لبيع منتجات لست مقتنعاً بها، وتتحايل على العملاء لتحقيق "التارجت"، فإنك تستهلك قسماً ضخماً من طاقتك الأخلاقية. هذا التناقض بين قيمك الداخلية وسلوكك اليومي، مضافاً إليه عدد ساعات العمل غير المنطقية، هو السبب الأساسي في الاكتئاب والإنهاك الذي تعيشه. البنوك بيئات عمل شديدة الصرامة والضغط، والاستمرار فيها دون قناعة هو انتحار نفسي تدريجي.
ثانياً: تفكيك فخ "الخوف والمال"
أنت محاصر بين ناريْن: نار الاستمرار في مكان يستهلكك، ونار الرعب من القعود بلا دخل في ظل الظروف الاقتصادية الحالية لعام 2026.
خوفك من انقطاع الدخل هو خوف مشروع ومنطقي تماماً وليس عيباً فيك. الزمن الحالي لا يرحم من يلقي بنفسه في الفراغ دون شبكة أمان، ولذلك فإن قرار "الاستقالة غداً بدون خطة بديلة" هو قرار متهور، ومخاوفك هنا هي التي تحميك من مأزق أكبر قد يضغط عليك مادياً لدرجة تجبرك على قبول أي وظيفة أسوأ.
ثالثاً: الرأي الحيادي (المعادلة البديلة)
الناس من حولك يضعونك أمام خيارين فقط: إما البقاء وتحمل العذاب، أو الاستقالة والندم. لكن الحقيقة أن هناك مساراً ثالثاً وهو "الخروج الآمن والمنظم":
تغيير العقلية من "الهروب" إلى "الانتقال": لا تفكر في الاستقالة الآن كهدف بحد ذاته، بل فكر في "البحث عن البديل" وأنت على رأس العمل. نعم، ضغط العمل والوقت خانقان، ولكن تخصيص ساعة واحدة يومياً أو يوم إجازتك للبحث والتطوير أفضل من الاستسلام.
تحديد المهارات القابلة للنقل: عملك في البنك لمدة 3 سنوات، رغم سوئه، يمنح سيرتك الذاتية ثقلاً كبيراً. أنت تملك مهارات في التواصل، والالتزام، والتعامل مع الأرقام، والبيع، وتحمل الضغط. هذه المهارات مطلوبة بشدة في شركات قطاع خاص أخرى، في مجالات مثل (إدارة الحسابات، المبيعات في قطاعات الشركات B2B، الدعم اللوجستي، أو خدمة العملاء المتقدمة) حيث تكون بيئة العمل وعدد الساعات أكثر آدمية، وحيث لا تضطر "للضحك على الناس".
بناء صندوق الطوارئ: إذا كان الاستمرار فوق طاقتك نهائياً وتريد الاستقالة لالتقاط الأنفاس، فلا تفعل ذلك إلا بعد توفير "مبلغ طوارئ" يغطي مصاريفك الأساسية الحتمية لمدة لا تقل عن 3 إلى 6 أشهر. هذا الصندوق هو الذي سيحميك من القلق والتوتر الناتج عن انقطاع الدخل فوراً.
خطة العمل المقترحة لك الآن:
1- افصل نفسك عاطفياً عن العمل: اعتبر البنك حالياً مجرد "مموّل" لخطتك القادمة. أدِّ الحد الأدنى المطلوب منك للبقاء في الوظيفة، ولا تحرق أعصابك في التارقت أو إرضاء الإدارة. وفر هذه الطاقية النفسية لنفسك.
2- حدث سيرتك الذاتية فوراً: ركز فيها على إنجازاتك وقدرتك على التعامل مع الأنظمة والعملاء، وابدأ بالتقديم على الشركات (وليس البنوك) عبر منصات التوظيف.
3- تحدث مع متخصصين خارج دائرتك: ابحث على موقع "لينكد إن" عن أشخاص استقالوا من قطاع البنوك وانتقلوا لشركات أخرى، واسألهم عن تجربتهم وكيف قاموا بهذه النقلة.
خروجك من البنك لن يجعلك تندم إذا تم بخطة واعية؛ الحياة مليئة بالفرص التي تحترم آدمية الإنسان ووقت حياته، وبقاءك لثلاث سنوات يثبت أنك إنسان ملتزم وقادر على الصبر، وحان الوقت لتوجه هذا الصبر نحو بناء مسار يشبهك ويريحك نفسياً ومادياً.
ومرة أخرى أهلا وسهلا بك دائما على موقع مجانين فتابعنا بالتطورات.