يأتي الإنسان إلى هذا العالم صفحةً بيضاء، لا تحمل سوى احتمالاتٍ مفتوحة لكل شيء، فلا يعرف في البداية ما هو الحب، ولا يدرك معنى الكره، وفي تلك اللحظة الأولى التي يلتقط فيها أنفاسه بين يدي عائلته، تبدأ هذه الصفحة البيضاء باستقبال خطوطها الأولى، تلك الخطوط التي ليست واضحة المعالم بالضرورة، لكنها بلا شك تترك آثارًا عميقة في النفس مدى الحياة!
العائلة، التي يُفترض أنها الملاذ الأول، والمصدر الآمن للحنان، ليست دائمًا بهذه المثالية التي نتصورها، ففي داخل الأسرة الواحدة قد تجد طفلًا يشعر بأنه مركز الكون، وآخر يشعر بأنه على الهامش، فتتسلل مشاعر الغيرة والحسد إلى القلب الصغير دون وعيٍ منه، لمجرد أنه التقط نظرة عابرة من والديه نحو شقيقه، أو شعر أن حضن أمه أطال احتضان أخته قليلًا أكثر منه!
المفارقة هنا، أن هذه التفاصيل الدقيقة، التي نعتقد نحن أنها عابرة، تصبح مع الوقت معايير أساسية ترسم خرائط مشاعر الأطفال وتحدد مسارات قلوبهم، فذلك الذي شعر دومًا أنه محبوب ومقبول من دون شروط، سيكبر حاملًا في داخله وفرة من الحب والثقة تمنحه قوة داخلية تدفعه ليحب ويمنح ويعطي، أما ذلك الذي ظلّ ينتظر اهتمامًا خاصًا أو تقديرًا واضحًا من دون جدوى، قد يكبر وفي قلبه فجوة غامضة تجعله دائم الشك، أو مترددًا، أو ربما مفرطًا في محاولاته إرضاء الآخرين!
ولأن الأسرة هي أول مكانٍ نكتشف فيه مشاعرنا، فهي أيضًا المكان الذي نتعلّم فيه، دون قصد، كيف نتعامل مع الآخرين، فمن نشأ في جو من المنافسة الصامتة، قد يكبر وهو يعتقد أن العلاقات الإنسانية هي في الحقيقة صراعٌ مستمر، ومن نشأ على أنه مميز دائمًا، ربما يكبر عاجزًا عن تقبّل فكرة المشاركة أو التفهّم، فيتحوّل من دون أن يشعر إلى شخص أناني يرى نفسه مركزًا لكل شيء!
يأتي هنا دور الأبوين، ليس كمجرد راعيين لحاجات الطفل الأساسية، بل كصانعينِ حقيقيينِ لشخصيته ومستقبله العاطفي، إذ ليس كافيًا أن نردد أمام أطفالنا عبارات المساواة والمحبة، بينما تعكس تصرفاتنا اليومية شيئًا آخر، فالطفل بذكائه الفطري يقرأ في سلوكنا الحقيقة أكثر مما يقرأ في كلامنا!
إذا كانت العائلة هي المدرسة الأولى فعلًا للحب والكره، فإن الأبوين هما بلا شك أول وأهم المعلمين فيها، والمعلم الحقيقي ليس من يُلقي النصائح والمواعظ، بل من يقدّم نفسه مثالًا حيًا أمام عيون الصغار، فهو يدرك جيدًا أن الطفل لن يقلّد سوى ما يراه، لا ما يسمعه!
ربما على الأهل أن ينتبهوا جيدًا لتلك التفاصيل الصغيرة، لأنها هي التي سترسم مستقبلًا كاملًا من المشاعر لدى أبنائهم، فالعائلة بالفعل هي المدرسة الأولى، ومنها يبدأ كل شيء، كالحب والكره، والثقة والشك، والقوة والضعف، ونحن من نقرر أي دروس سنتركها في قلوب أبنائنا... للأبد!
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
الدراجة التي سبقت نوبل! / كلمات.... غيَّرت كل شيء!
