بين حين وآخر، تأخذني نوبة من الحنين الغريب، فأفتح تطبيق «X»، تويتر سابقا، وأغوص في أعماق الحساب وما نشرته سابقا، أنزل وأنزل حتى أصل إلى تغريدات كتبتها قبل سنوات قصيرة، لأتوقف مذهولاً أمام تغريدة ما، وأسأل نفسي بصدق حائر: «هل يعقل أنني أنا من كتب هذا الهراء؟» الصورة الشخصية نفسها، الاسم لم يتغير، التاريخ مثبت بدقة شديدة، لكن الأفكار تبدو غريبة تماماً، كأنها رسائل وصلتني من كوكب آخر، أو من شخص آخر اختطف هاتفي لدقائق وغرّد باسمي دون أن أدري!
العجيب ليس في اختلاف الأفكار فقط، بل في ذلك اليقين الصلب الذي كنت أحملها به، أتذكر كيف كنت أدافع عنها بشراسة الأسود في 280 حرفاً، أجادل من يخالفني وكأنني أملك مفاتيح الحقيقة المطلقة، وأغرّد بحماس المؤمن الذي رأى النور وحده بينما الآخرون يتخبطون في الظلام، واليوم أقرأ نفس الكلمات فأبتسم ابتسامة خجولة، وأهز رأسي بدهشة، وأتساءل كيف كنت واثقاً إلى هذا الحد من أفكار أراها الآن مجرد محطة عابرة في رحلة طويلة لم أكن أرى نهايتها ولا حتى منتصفها؟!
المدهش رغم كل هذا الإحراج اللذيذ الذي أشعر به وأنا أقرأ «هرائي» القديم، هو أنني لا أستطيع أن أحتقره أو أنكره أو حتى أحذفه، لأنه كان صادقاً في وقته، يمثلني تماماً كما كنت في تلك اللحظة من حياتي، بكل قناعاتي الساذجة وأحلامي المثالية وحماسي الطفولي، فالأفكار تشبه كثيراً تلك الملابس القديمة التي نجدها مخبأة في أعماق الخزانة، ننظر إليها اليوم فنضحك على ذوقنا القديم، ونتساءل بدهشة كيف ارتدينا هذه الألوان الصارخة أو تلك «الموديلات» الغريبة، لكننا ننسى أنها كانت تناسبنا تماماً يوم اخترناها، كانت تعبر عن شخصيتنا في تلك المرحلة.
الحقيقة المُرة الحلوة التي اكتشفتها بعد سنوات من التخبط الفكري، أن التطور ليس خيانة للماضي كما يتوهم البعض، بل برهان على أن الدماغ لم يتحول بعد إلى قطعة أثاث، فالإنسان الذي يحتفظ بنفس الآراء من المهد إلى اللحد هو كمن يرتدي نفس البيجاما منذ الصف الأول الابتدائي ويصر أنها ما زالت تناسبه!
أما من يعود لتايم لاينه القديم فيصاب بنوبة ضحك هستيرية ممزوجة بالرعب، متسائلا «أي عقل مريض كتب هذا؟»، فهو يملك الدليل القاطع على أن خلايا دماغه ما زالت تتجدد، وأن عقله لم يتحول إلى متحف للأفكار البائدة، فهذا الخجل الممتع من الذات القديمة ليس عيبا نخفيه، بل ميدالية نعلقها بفخر، شهادة حية على أننا لم نستسلم للموت الفكري المريح!
لذا يا صديقي، إن لم تختبر مرة تلك الصدمة الكهربائية عند قراءة أفكارك القديمة، وإن لم تشعر برغبة ملحة يوما في السفر عبر الزمن لتصفع نفسك القديمة، ولم تتساءل بذعر «هل كان هذا أنا أم شخصا يشبهني؟»، فاعلم أن عقلك دخل في سبات شتوي طال أكثر من اللازم، والربيع... قد لا ينتظر النائمين!
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
العائلة.. أول مدرسة للحب... والكره! / خلافات... لا نريد حلها!
