هنالك أشخاص يدخلون حياتك ليتركوها كما هي، وهناك من يعبرون كعواصف، يقتلعون قناعاتك من جذورها، فيهزون يقينك، ويرغمونك على إعادة تعريف الأشياء، كل الأشياء... حتى نفسك!
قد يكون اللقاء بهذه النوعية الأخيرة من الناس صدفة، لكنه أشبه بقدر محتوم يترك أثرًا لا يُمحى، حتى لو اختفوا كما ظهروا فجأة، فمن هؤلاء الأشخاص من يوقظ فيك ما كنت تجهله عن نفسك، ومنهم من يجعلك ترى العالم بعين أخرى، وكأنك ولدت من جديد!
أحيانًا، يكفينا شخص واحد ليقلب موازين فهمنا، ويفتح لنا نوافذ جديدة على العالم، لم نكن نعلم بوجودها من قبل، قد نجد هذا الشخص في كتاب أو كما في عصرنا الحالي «بودكاست»، وقد يكون هذا الشخص صديقًا، معلمًا، حبيبًا، أو حتى غريبًا مرَّ في حياتنا مرور العابرين لكنه يترك أثرًا لا يُمحى، إلا أن هؤلاء الأشخاص هم مفترقات الطرق التي تجعلنا نعيد النظر فيما كنا نظنه يقينًا لا شك فيه!
هذا تمامًا ما حدث لمولانا جلال الدين الرومي حين التقى بشمس التبريزي، إذ كان مولانا قبل ذلك اللقاء عالمًا جليلًا، وفقيهًا محترمًا، يحيط به تلاميذه بإجلال، ولكنه كان سجين أفكاره ومنطقه، فجاءه شمس كالصاعقة، لا ليضيف إليه علمًا جديدًا، بل ليحرق ما كان يعتقد أنه كل المعرفة!
حطم شمس الجدران التي كانت تحاصر عقل مولانا، ليطلقه في فضاء العشق والبحث والتجربة، فتحول من فقيه مرموق إلى شاعر ملهم، من واعظ جاف إلى راقص في دوائر الدراويش، ومن رجل يملك كل الأجوبة إلى رجل يتساءل عن كل شيء!
لكن الأمر ليس كله عن مولانا وشمس، فحياتك مليئة بلحظات شبيهة، إلا أنها قد لا تأخذ شكل درويش غامض يأتي ليغيرك، لكنها قد تأتي في صورة أشخاص، أو حتى مواقف، تكسر فيك شيئًا، لتعيد بناءك من جديد، إلا أن المشكلة أننا، في كثير من الأحيان نغلق الأبواب في وجه هذه الفرص، ربما لسابق خيبات أمل، فنخشى التجارب، ونحكم إغلاق نوافذ أرواحنا، فلا نسمح لأي «شمس» بالدخول!
ربما علينا أن نترك الباب مواربًا، وأن نتعلم كيف نحتمل الصدمات دون أن نفقد قدرتنا على استقبال الجديد، فقد يكون الشخص الذي سيغير مسارك قادمًا بعد أن فقدت الأمل، وقد يكون ذلك التغيير هو ما تحتاجه دون أن تدري!
كثيرون يعيشون حياتهم في قوالب ثابتة، فيكررون أنفسهم، لأنهم يخشون من التغيير، لكن الحقيقة هي أن التغيير لا يأتي دائما على طبق الاختيار، بل يكون أحيانا قدَرًا يأتيك على هيئة شخص، أو سؤال، أو فكرة، أو حتى خسارة تجبرك على أن تنظر للحياة من زاوية أخرى!
ربما لكلٍّ منا «شمس» خاص/ ـة به، شخصٌ يدخل حياته في وقت ما، فيغير مساره بطرق غير متوقعة، تغييرا يكون أحيانا خفيفًا كنسمة عابرة، وأحيانًا يكون عاصفًا يقتلع الكثير مما سبقه، لكن وفي كل الأحوال، يبقى هؤلاء الأشخاص جزءًا من نسيج أرواحنا حتى لو رحلوا، تمامًا كما بقي شمس رغم اختفائه الغامض في قلب مولانا، خالدًا في كلماته، نابضًا في حروفه، يرقص معه في دوائر الدراويش إلى الأبد!
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
الحياة من دون Manual! / الأخطاء التي كان يجب أن نرتكبها!
