في كل عائلة واحد منهم على الأقل، ذلك الشخص الذي تتصل به لتسأله عن أحواله فيجيب بابتسامة تسمعها في صوته: «الحمد لله، كل شيء بخير»، تتعاقب عليه الأزمات وهو يوزّع الطمأنينة على الجميع، يتصل ليسأل عنك وينسى أو يتناسى أن يحكي عن نفسه، وحين تُلحّ عليه بالسؤال يهزّ كتفيه ويقول: «كل شيء بخير ما دامكم بخير»، ثم يتحدث عن الطقس أو آخر الأخبار كمن يُغيّر الموضوع بخفة لا تُلاحَظ!
هؤلاء الصامتون عن آلامهم نراهم في كل مكان، وفي الحقيقة لسنا نراهم، يمرون بين الناس كأنهم الأكثر استقراراً والأقل احتياجاً، يفقدون وظائفهم فيبتسمون ويقولون «باب يُقفل وأبواب تُفتح»، تتعثر زيجاتهم فيصمتون ويحلّون مشاكل زيجات الآخرين، تتكسّر أحلامهم فيهنّئون غيرهم على أحلامهم المتحققة بحماس يبدو صادقاً، حتى حين تعرض عليهم المساعدة ينظرون إليك بدهشة حقيقية وكأنك اقترحت شيئاً غير مألوف، ثم يسألونك أنت إن كنت بحاجة لشيء!
ثمة من يظن أن هذا الصمت الطويل عن الألم علامة قوة ونضج يستحقان الإعجاب، وأن صاحبه بطل يحمل جبالاً دون أن يتأوّه، لكن خلف هذه الصلابة المعلنة يختبئ أحياناً خوف قديم، خوف من أن يُرى ضعيفاً فيُنظر إليه بشفقة، أو أن يطلب فيُرفض، أو أن يبوح فيُساء فهمه، أو ببساطة أن يكتشف الناس أن ذلك القوي الصامد ليس قوياً إلى هذا الحد، فيُفضّل أن يعاني في العتمة على أن يتألم تحت الأضواء!
كثير من هؤلاء تعلّموا الصمت في طفولتهم حين كان البكاء يُقابَل بالتوبيخ لا بالاحتضان، وحين كانت الشكوى تُقابَل بالتأفف أو بعبارات من نوع «غيرك مشكلته أكبر ولا يشتكي»، فكبروا وهم يظنون أن مشاعرهم عبء على الآخرين يجب إخفاؤه، وأن احتياجاتهم ثقل يجب التستر عليه بابتسامات متقنة، وأن طلب المساعدة نوع من الاستجداء المعيب الذي لا يليق بمن يحترم نفسه ويحترم وقت الآخرين!
الأثقل من الصمت نفسه هو ذلك الإرهاق الخفي الذي يتراكم مع السنين كغبار لا يُرى، فالإنسان الذي لا يُفرّغ ما في داخله يمتلئ حتى يفيض، لكن الفيضان عند هؤلاء نادراً ما يكون دموعاً أو كلمات، بل يتسرّب في شكل أمراض جسدية غامضة يعجز الأطباء عن تفسيرها، أو انفجارات غضب مفاجئة على تفاصيل تافهة، أو انسحاب صامت وتدريجي من الحياة والناس، وكأن الألم الذي لا يجد طريقاً للخروج يبدأ في حفر أنفاقه الخاصة داخل صاحبه!
هؤلاء الذين لا يشتكون يظنون أنهم يحمون الآخرين من همومهم ويوفّرون عليهم الأثقال والتعب، لكنهم في الحقيقة يحرمون من يحبونهم من فرصة الاقتراب الحقيقي منهم، فالعلاقات الإنسانية لا تُبنى على تبادل الابتسامات والعبارات المنمّقة فقط، بل على تبادل الهشاشة أيضاً، وحين نسمح لأحدهم بأن يرانا على حقيقتنا محتاجين أحياناً وخائفين أحياناً ومرهقين في أحيان كثيرة، فإننا نمنحه هدية الثقة التي لا تُقدّر بثمن، ونفتح باباً لقرب لا يمكن أن تبنيه ألف ابتسامة مُتقنة الصنع!
لذلك لا تتفاجأ إن وجدت أن أكثر من يرفض أن يُثقل على أحد، يكون أحيانا أول من يسمع شكاوى الآخرين بصدر رحب، ويمنح الجميع أذناً صاغية وكتفاً يبكون عليها ونصائح تُخفّف عنهم، لكنه يحرم نفسه مما يمنحه للآخرين بسخاء، وكأنه يؤمن في أعماقه أن الكل يستحق المساندة... إلا هو!
11 فبراير ٢٠٢٦
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
بوناصر... العطاء حتى في فصيلة الدم! / الأشياء التي نتظاهر بأننا... لا نريدها!
