هل سبق أن وجدت نفسك مستلقياً على سريرك، تحاول النوم، لكن عقلك - وكعادته في اللحظات غير المناسبة - يقرر أنه الوقت المثالي لاستعراض أسوأ السيناريوهات الممكنة في حياتك؟
فجأة، تتحول الوسادة إلى منصة لمؤتمر طارئ بينك وبين مخاوفك المستقبلية: «ماذا لو فقدت عملي؟ ماذا لو مرض أحد أحبائي؟ ماذا لو استيقظت غداً ووجدت نفسي بلا مأوى وبلا مال؟».
قلبك يخفق سريعاً، أنفاسك تضطرب، وكل ذلك رغم أن لا شيء من هذه الكوارث قد حدث... حتى الآن على الأقل!
القلق، يا سادة، ليس حكراً على أولئك الذين يحملون لقب «الشخص القلق بطبعه»، بل هو زائر ثقيل يطرق أبواب الجميع بين حين وآخر، والمشكلة ليست في كونه مجرد إحساس عابر أو سخيف، بل في أنه إحساس يجعلك تعيش كارثة لم تقع بعد، وكأنها حدثت بالفعل!
في العيادة النفسية، أسمع الكثير من القصص عن القلق، ومعظمها يدور حول مخاوف لم تتحقق قط، وهذا ما يجعلني أطرح على مرضاي سؤالاً بسيطاً، ولكنه جوهري في الوقت ذاته: «هل ما يقلقك قد حدث بالفعل، أم أنه مجرد سيناريو مستقبلي في رأسك؟».
الجواب غالباً ما يكون أن القلق متعلق بأمر لم يقع بعد، وربما لن يقع أبداً! ومع ذلك، يعيش صاحبه المعاناة وكأنها حقيقة قائمة.
الدرس الأهم، الذي تعلمته من عملي - ومن الحياة عموماً - هو أن القلق يصبح أقل وحشية حين نركّز على ما يمكننا التحكّم به، ونتجاهل ما هو خارج عن نطاق سيطرتنا.
المشكلة أن الإنسان القلق يريد السيطرة على كل شيء، من الطقس، إلى أسعار النفط، ومن قرارات الحكومات، إلى مزاج رئيسه في العمل، لكن الواقع ببساطة هو أنك لا يمكنك التحكّم بكل هذه الأمور، ولكن يمكنك التحكّم بردود أفعالك، بمهاراتك، وباستعدادك للتعامل مع المجهول، وهنا يكمن الفرق بين القلق الصحي، الذي يدفعنا للتخطيط، والقلق المرضي، الذي يشلّ حركتنا تماماً.
طيب، وماذا عن اللحظات التي يبدو فيها العالم وكأنه ينهار فعلاً؟
حسناً، سأروي لكم موقفاً طريفاً حدث لي في أبريل الماضي، عندما هاجمت إيران إسرائيل بالصواريخ، كان الوقت متأخراً، وكنت غارقاً في النوم، حتى أيقظني أخي مفزوعاً باتصال هاتفي، وكان هذا الحوار:
هو: نايم؟ «من صجك»؟ قوم! استيقظ! إيران ضربت إسرائيل، الأمور قد تتطور إلى حرب عالمية!.
نظرت إلى الهاتف في يدي للحظات لأستوعب هذا الاتصال في هذا الوقت، الذي استجبت له مرعوباً متخيلاً أن مكروهاً قد حصل للوالدة، لا سمح الله، فإذا به عن موضوع لن أغيّر فيه شيئاً، ولو قضيت الليل كله مستيقظاً. كظمت غيظي، ثم سألته:
أنا: هل حضرتك تتحدّث حالياً مع نتانياهو؟
هو: لا... طبعاً.
أنا: طيب... هل تعتقد أن لي علاقة بالقيادة الإيرانية؟
هو: لا أيضاً!
أنا: إذاً.... تصبح على خير!
انتهت الحكاية.
جوهر الموضوع يا سادة هو أن القلق لا يمنع وقوع المصائب، لكنه يسرق منك لحظات الطمأنينة في الحاضر.
لذا، في المرة المقبلة، التي تجد نفسك فيها غارقاً في دوامة القلق، اسأل نفسك: «هل هذا القلق سيفيدني بشيء أو يمكنني عمل شيء بشأنه؟»، وإن لم تجد إجابة مقنعة... فربما يكون الحل الأفضل هو ما فعلته تلك الليلة: عد إلى النوم، مع إطفاء الإشعارات الهاتفية... ولا بأس بـ«بلوك» أثناء الليل لبعض الحبايب... حتى نستيقظ بنشاط وطمأنينة في الصباح التالي!
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
الذين لا يشتكون... أبداً! / تلك اللحظات.. التي لم ندرك أنها الأخيرة!
