لماذا تكتب؟ سؤال يطاردني كما يطارد الظل صاحبه!
أهرب منه أحيانًا، لكنه يعود كل مرة أضع فيها نقطة نهاية لجملة ما!
لماذا أكتب؟ ربما لأنني لا أجيد الصمت طويلًا، أو لأنني لم أتعلم فن المشاهدة المحايدة، أو لأنني، ببساطة، أجد في الكتابة وسيلة لفهم هذا العالم قبل أن يبتلعني بسخافته وعبثه.
هل أكتب فقط عن الأشياء التي أستطيع تغييرها؟ هل كل ما أطرحه في مقالاتي هو شيء أملك تأثيرًا مباشرا عليه؟
بالطبع لا!
فلست صاحب قرار، ولا أملك أزرار التحكم بهذا الواقع، ولا أتوهم أن كلماتي ستُحدِث انقلابًا في فكر الكثيرين، لكنني أكتب لأن التوثيق مقاومة، ولأنني لا أريد أن يسألني أبنائي يومًا: «وماذا فعلت عندما لم تكن الأمور تمضي وفق ما تراه صحيحا؟» فأصمت كما يصمت من لم ينل شرف المحاولة!
أكتب لأن التذمر و«التحلطم» فقط هما فعل سهل، بل سهل جدًا، لكنه لا يغيّر شيئًا وهو ليس إلا ميراثا ثقيلا لم يحل مشكلة ولم يبدّل واقعًا، أما الكلمة، فهي محاولة على الأقل، أثر تتركه، وبصمة صغيرة تقول: «لقد كنت هنا، ولم أكن مجرد متفرج حينما كنت أرى الأمور على غير ما يرام»!
أكتب لأن الفكرة هي الشرارة الأولى لأي تغيير، ولأن الصمت الطويل يجعلنا نتآكل من الداخل من دون أن نشعر.
أكتب لأن هناك أفكارًا تتصارع في رأسي، وأجد أحيانا أن الطريقة الوحيدة للسيطرة عليها هي في أن أضعها على الورق، كأنني أخرجها من داخلي لتصبح أقل ضجيجًا.
أكتب لأن الحياة مليئة بالمفارقات التي تستحق التأمل، ولأن القصص التي تمر بنا تستحق أحيانا أن تُروى، ولأن الأحلام التي لم تتحقق تستحق أن تُكتب ولو على سبيل العزاء.
ولكن، وحتى أكون صادقا، هل كل هذا الحديث العميق كان دائمًا إجابتي عن سؤال... لماذا أكتب؟
بالطبع لا، فأحيانًا، حين يسألني أحدهم هذا السؤال أجد نفسي أجيبه بعفوية: «لأنني لو لم أكتب... لانفجرت!»
وبيني وبينكم، أظن أن هذه الإجابة، رغم بساطتها، هي الأكثر صدقًا على الإطلاق. فأحيانًا، أفكر: لو لم أكتب، ماذا كنت سأفعل بكل هذه الأفكار التي تتزاحم في رأسي؟
هل كنت سأمارس رياضة عنيفة بحثًا عن مخرج للطاقة المتراكمة؟ أم سأصبح ذلك الشخص الذي يثرثر كثيرًا من دون أن يقول شيئًا ذا معنى؟
لا أعلم، ولكن ربما حينها كنت سأبدو أكثر هدوءًا وأقل انفعالًا، وأقدر على النوم من دون أن يوقظني سؤال مباغت في منتصف الليل!
طولناها عليكم... ولكن يبدو أنني أكتب لأن الكتابة هي طريقتي في العيش، طريقتي في الصراخ بصوت هادئ، وطريقتي في إقناع نفسي بأن هذا العالم، رغم عبثه، لا يزال يستحق أن نحكي عنه شيئا!
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
ماذا فعل شمس التبريزي في مولانا؟ / تلك الأسئلة التي... نعرف إجاباتها!
