«من أول يناير رح أبدأ الذهاب للنادي»، «السنة الجايّة راح تكون مختلفة!»، «هذه المرة الموضوع مختلف وخططي المؤجلة سأبدأ في تحقيقها، أخيرا»...
عبارات نرددها بحماس كلما اقترب رأس السنة، نكتب قوائم طموحة، ونضع خططاً محكمة، ونشعر بطاقة إيجابية حقيقية، ثم يأتي فبراير لنجد أنفسنا نفس الأشخاص، بنفس العادات، والفرق الوحيد أننا أصبحنا أكثر خيبة من أنفسنا!
لنكن منصفين، للتواريخ قيمة رمزية حقيقية، والبدايات الجديدة تحمل طاقة نفسية لا يمكن إنكارها، رأس السنة، بداية رمضان، عيد الميلاد، كلها محطات تمنحنا شعوراً بإمكانية البدء من جديد، وهذا ليس وهماً، بل حاجة إنسانية للتجدد والأمل، والمشكلة ليست في الرمزية ذاتها، بل في اعتقادنا أن التاريخ وحده يكفي لتحقيق تغيير حقيقي في حياتنا!
نقع في فخ الاعتماد الكامل على «سحر اللحظة»، ونظن أن الحماس الذي نشعر به منتصف ليلة رأس السنة سيستمر معنا طوال العام، فنركب موجة الدوبامين المؤقتة التي تصاحب لحظات اتخاذ القرارات الكبيرة، وننسى أن هذا الحماس له تاريخ انتهاء قريب جداً، وغالباً ما يكون في... الأسبوع الثاني من يناير!
القرار الحقيقي ليس تلك اللحظة العاطفية التي نعلن فيها عن نيتنا للتغيير، وليس ذلك التعهد الحماسي الذي نكتبه في منشور على وسائل التواصل، القرار الحقيقي يا سادة يولد غالبا في صمت ومن دون صخب، في تلك اللحظة التي نختار فيها الاستيقاظ مبكراً رغم البرد، واللحظة التي نغلق فيها الثلاجة دون أن نأكل قطعة الحلوى، وفي كل مرة نختار الصعب على السهل!
«سأبدأ التغيير من بكرة»، «من أول الأسبوع»، «من أول الشهر»، نؤجل لأننا ننتظر اللحظة التي سنشعر فيها بالقوة الكافية، لكن الحقيقة أن القوة لا تأتي قبل الفعل بل معه، فالإرادة عضلة تقوى بالممارسة لا بالانتظار، والانضباط يُبنى بالتكرار اليومي لا بالتخطيط المثالي!
نضع خططاً خيالية لأننا نخطط وكأننا سنصبح أشخاصاً مختلفين تماماً بمجرد تغيير التقويم، ننسى أن الشخص الذي سيستيقظ في الأول من يناير هو نفسه الذي نام في 31 ديسمبر، بنفس العادات، نفس المخاوف، نفس نقاط الضعف، فالتاريخ تغير لكن الإنسان لم يتغير!
الحقيقة أن التغيير ممكن في أي لحظة، الآن، غداً، في منتصف مارس، في الرابع والعشرين من أغسطس أو السابع من نوفمبر، كلها أرقام لا تختلف عن الأول من يناير، لا يهم التاريخ بقدر ما يهم الوضوح، وضوح الرؤية بأن هذا التغيير ضروري، ووضوح الخطوات المطلوبة، ووضوح الالتزام بالاستمرار حتى عندما يختفي الحماس الأولي، وهو حتم... سيختفي!
المشكلة أننا نخلط بين القرار والرغبة، الرغبة عاطفة متقلبة تأتي وتذهب، أما القرار فاختيار واعٍ نجدده كل يوم، وكل ساعة أحياناً، الرغبة تقول «أريد أن أكون رشيقاً»، بينما يقول القرار «سأذهب للنادي اليوم حتى لو لم أرغب»، الرغبة تحلم، والقرار ينفذ... ولا ينتظر!
التواريخ الرمزية جميلة كنقطة انطلاق، كشرارة أولى، لكنها لا تكفي وحدها، فهي تحتاج لوقود الانضباط اليومي، ولصبر الاستمرار عندما يصبح التغيير مملاً، وشجاعة المحاولة مجدداً بعد كل فشل، وللحكمة في فهم أن التحول الحقيقي يحدث ببطء، خطوة صغيرة كل يوم.
استخدم رمزية السنة الجديدة إن شئت يا صديقي، استفد من طاقة البدايات، ولكن تذكر أن التقويم لن يغيرك، والتاريخ لن يمنحك الإرادة، فأنت من يملك القرار، وأنت من يختار الاستمرار، ليس فقط في يناير وبهجة بداياته، بل في فبراير وملل نهاره القصير البارد، وكل الشهور التي تليها، لأن التغيير الحقيقي لا يحتاج لتاريخ مميز... بل لقرار صادق وانضباط دائم... وبس!
د. سليمان الخضاري
٠٥ يناير ٢٠٢٦
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
يمكن...... زعلان من زوجته! / عندما يتقاعد...... المنقذون!
