مساء الخير
سني الآن 22 سنة وما زلت لا أعرف كيف يُمكن تكوين صداقات؟ لقد عانيتُ طوال حياتي من هذه المشكلة، فمنذ صغري كنتُ هادئة ومنطوية، ولم أُكوّن صداقات إلا إذا بادر أحدهم بالتقرب مني. لم أستطع الحفاظ على صداقات خلال سنوات دراستي، ولا حتى في الجامعة.
دائمًا ما يكون الأمر نفسه، أتعرف على شخص ما لأنه هو من بادر بالتقرب مني، ونتعرف على بعضنا بشكل سطحي، نتحدث فقط عن الدراسة ونقضي وقتًا معًا في الجامعة، ولا نخرج معًا أبدًا، ثم نتباعد بعد عام تقريبًا. الطريقة الوحيدة التي كنتُ أُكوّن بها صداقات هي من خلال القرب (زملاء الدراسة، ثم زملاء الجامعة)، ثم تنتهي الصداقة عندما نبتعد عن بعضنا.
تخرجتُ من الجامعة الآن وأعمل من المنزل، وتوقفتُ عن صداقة الأشخاص الذين عرفتهم في الجامعة لأنني لم أكن قريبة من أي شخص، والآن أنا وحيدة تمامًا لأول مرة في حياتي، وبصراحة، الوحدة والملل سيقضيان عليّ.
كيف يُمكنني التعرف على أشخاص جدد وأنا نادرًا ما أغادر المنزل؟ أتواصل فقط مع مديري وزملائي في العمل عبر البريد الإلكتروني. ليس لديّ أي هوايات أو اهتمامات، فقد كنتُ دائمًا مُنصبَّةً على الدراسة فقط، والتي كانت تستحوذ على كل وقتي، وشخصيتي مملة بعض الشيء، وأفتقر تمامًا للمهارات الاجتماعية، لذا لا أعرف كيف أتعرف على أشخاص جدد يرغبون حقًا في أن يكونوا أصدقائي.
كيف يبدو الأمر سهلًا جدًا بالنسبة للآخرين،
أن يكونوا اجتماعيين وأن يكون لديهم الكثير من الأصدقاء؟
1/2/2026
رد المستشار
حين تصبح الوحدة لغة خفيّة: فهم صعوبات تكوين الصداقات وبناؤها من جديد
عزيزتي "ميادة"، أشكرك على شجاعتك وصدقك في التعبير عمّا تمرّين به. ما وصفته ليس ضعفًا فيكِ، ولا خللًا في شخصيتك، بل هو نمط نفسي واجتماعي قابل للفهم والتغيير. وسأحاول أن أضع لكِ الصورة بوضوح، ثم أقدّم لكِ خطوات عملية واقعية.
أولًا: فهم ما يحدث معكِ نفسيًا (تشخيص مبدئي غير مرضي)، من خلال حديثك، يظهر الآتي:
شخصية هادئة تميل للانطواء، وهذا ليس عيبًا، لكنه يجعل المبادرة الاجتماعية أقل تلقائية.
اعتماد الصداقات على القرب المكاني فقط: (مدرسة – جامعة)، دون بناء عمق عاطفي أو مشاركة شخصية، لذلك تنتهي الصداقة بانتهاء المكان.
نقص الخبرة الاجتماعية وليس نقص القيمة، أنتِ لا تفتقرين للجاذبية الإنسانية، بل للمهارات الاجتماعية المكتسبة.
صوت داخلي ناقد يتضح في وصفك لنفسك بأنك "مملة" و"تفتقرين للمهارات"، وهذا الصوت يثبّط أي محاولة جديدة.
وهنا من المهم أن تعلمي: المهارات الاجتماعية لا تُولد معنا، بل تُتعلّم.
ثانيًا: لماذا يبدو الأمر سهلًا للآخرين؟
ما ترينه عند الآخرين ليس سهولة فطرية دائمًا، بل نتيجة: تجارب متكررة (نجح بعضها وفشل كثير منها)، وتعرّض مبكر للتفاعل الاجتماعي، وتقبّل فكرة الرفض دون جلد للذات.
ثالثًا: تصحيح مفاهيم أساسية (مهم جدًا) دعيني أضع أمامكِ 4 حقائق:
d60; الصداقة لا تبدأ من "شخصية ممتعة"
c89; بل من حضور صادق ومهتم
d60; ليس مطلوبًا أن تكوني اجتماعية جدًا
c89; يكفي أن تكوني حقيقية ومتّزنة
d60; الصديق لا يأتي ليملأ فراغك
c89; بل ليشاركك المساحة، لا ليُنقذك من الوحدة
d60; الوحدة دليل فشل
c89; أحيانًا تكون بداية إعادة بناء
«ليس جيدًا أن يكون الإنسان وحده» (سفر التكوين 2: 18) وهذه الآية لا تتحدث فقط عن الزواج، بل عن الاحتياج الإنساني الطبيعي للتواصل.
رابعًا: خطوات عملية واقعية (تبدأ من حيث أنتِ)
1_ إعادة بناء علاقتك بنفسك أولًا
قبل البحث عن أصدقاء: خصّصي وقتًا يوميًا قصيرًا لنشاط بسيط (قراءة، كتابة، مشي) ليس بهدف المتعة فورًا، بل بهدف تكوين هوية خارج الدراسة
2_ تعلّم المبادرة الصغيرة (وليس الكبيرة)
ابدئي بجمل بسيطة: "أعجبني رأيك في...." "هل جرّبتِ من قبل....؟" "أنا جديدة في هذا المجال"
الصداقة لا تبدأ بعمق، بل بفضول إنساني بسيط.
3_ أماكن مناسبة لطبيعتك (لا تضاد شخصيتك) نظرًا لعملك من المنزل:
مجموعات قراءة (حتى أونلاين)، ورش كتابة أو شعر، أنشطة تطوعية بسيطة، دورات قصيرة حضوريةـ الهدف ليس تكوين صداقة فورًا، بل كسر العزلة التدريجي.
4_ تقبّل البطء: ليس كل تواصل سيتحوّل إلى صداقة، وهذا طبيعي.
«لكل شيء زمان، ولكل أمر تحت السماوات وقت» (سفر الجامعة 3: 1) العلاقات مثل الزرع، لا تُثمر في أسبوع.
خامسًا: كلمة أخيرة لكِ "ميادة" أنتِ لستِ مملة، أنتِ فقط لم تُتح لكِ المساحة لتكتشفي نفسك اجتماعيًا بعد. والوحدة التي تشعرين بها الآن، ليست نهاية.... بل دعوة هادئة لإعادة التعارف مع نفسك والعالم
واقرأ أيضًا:
أبتسم وقلبي يحترق.. وحيدة رغم الزحام!
وحيدة ومملة ولا أنتمي!!
وحيدة ومكتئبة، وأنا الأخت الوسطى!
وحيدة وأحب اثنين