يبدو أن القلق عاد ليتصدر المشهد من جديد، مع عودة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، لكنني هنا لن أتحدّث عن السياسة ولا الاقتصاد، بل عن شيء أجيد الحديث عنه، وقد يكون أكثر أهمية وعمقاً بالنسبة لنا كأفراد عاديين، وهو اتزاننا النفسي في زمن يزداد توتراً مع كل تغريدة جديدة!
في زمن ترامب، لم تعد المشكلة مجرد اختلاف في الرأي السياسي، بل أصبح التحدي الحقيقي هو الحفاظ على هدوئك وراحة بالك، فالمسألة ليست فقط فيما يقرره رئيس دولة كبرى على بُعد آلاف الأميال منك، وإنما في حالة القلق الجماعي، الذي تنتقل عدواه بسرعة الضوء، لتصبح أنت فجأة جزءاً من حالة ترقّب عالمية، من دون أن تدرك السبب الحقيقي لذلك!
أحد أسوأ أشكال القلق هو ذلك، الذي ينبع من شعور عارم بالعجز، كأن تشعر بأن العالم يدور حولك بسرعة لا تستطيع معها التقاط أنفاسك، لكن دعني أبوح لك بسر مطمئن، فأنت لست مطالباً بإصلاح العالم، ولا بتغيير قرارات الساسة، ودورك الحقيقي يبدأ من حدود عقلك وقلبك، ومن قدرتك على إدارة مشاعرك اليومية، وليس من قدرتك على حل مشكلات الكون!
أول خطوة لاستعادة اتزانك النفسي، في مثل هذا الزمن، هي تقبُّل حقيقة بسيطة جداً، مفادها أن هنالك أشياء لا يمكنك التحكم بها أو التأثير المباشر فيها، قد تبدو هذه الجملة بديهية إلى حد السخافة، لكنها كفيلة بأن تُعيد ترتيب الأولويات في ذهنك - إن أردت ذلك - فحضرتك لست مسؤولاً عن كل ما يحدث حولك، وليس مطلوباً منك أن تحمل فوق كتفيك هموم الاقتصاد العالمي أو السياسة الدولية!
ثم لا تنسَ أن تُقلل من تعرضك اليومي للأخبار التي تثير قلقك، وأنا هنا لا أطلب منك الانعزال تماماً، لكن بعض الجهل المقصود والمتعمّد في هذه الأيام الصعبة هو منتهى الحكمة، ولا بأس بأن تعطِ نفسك إذناً واضحاً بالابتعاد قليلاً، بل حتى بالانعزال لساعات أو أيام قليلة عن شاشات الأخبار وتويتر والتقارير المتلاحقة، التي لا تزيدك إلا توتراً!
جرّب أيضاً أن تُدخل بعض السخرية اللطيفة إلى حياتك، ولا أقول لك هنا أن تتجاهل الأحداث، بل أطلب منك التعامل معها بشيء من الخفة، فالقلق لن يغيّر الواقع، لكن الابتسامة – وإن كانت ساخرة أحياناً – قد تخفف من حدّة التوتر الذي تعيشه، فالقليل من السخرية الصحية قادر على مساعدتك في رؤية الأمور بشكل أوضح وأقل انفعالاً!
خصص لنفسك لحظات من الهدوء التام بعيداً عن كل الضجيج، وأحط نفسك بمن يزيد طمأنينتك لا توترك، وتذكر أن الحياة لن تتوقف، لأن ترامب قرر أمراً جديداً، لكنها قد تتوقف فعلياً إذا توقفت أنت عن الاعتناء بنفسك!
أخيراً، تذكّر أن التاريخ يثبت لنا دوماً أننا نتجاوز كل شيء في النهاية بشكل من الأشكال، ومهما كانت هذه الأيام مربكة أو متوترة، فهي لن تدوم للأبد، وإذا شعرت بأنك ما زلت قلقاً بعد قراءة هذا المقال، وأنك تحتاج إلى مزيد من الدعم النفسي، لا تتردد في العودة إلى مقالي السابق في القبس بعنوان: أنا والقلق... ونتانياهو، فقد تجد فيه ما يُشعرك بأننا كنا هنا سابقاً، وأن أحداث العالم التي تدفعك دفعاً للتوتر والقلق لن تتوقف.
فرفقاً بنفسك!
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
الحُب... في زمن الذكاء الاصطناعي! / في حضرة... ما لم يحدث!
