من منا لم يمر بهذه التجربة من قبل؟ شخص ما تتابعه منذ مدة، وتستمتع بأفكاره العميقة التي يكتبها، أو ربما أغانيه التي تمس روحك، أو لوحاته التي تجعلك تتوقف أمامها طويلاً، شخص يبدو من بعيد استثنائياً ومن عالم آخر، تشعر بأنك تفهمه جيداً، بل تعتقد أنك لو التقيته يوماً، سيصبح صديقًا مقربًا على الفور!
ثم تأتي اللحظة التي تقابله فيها فعلاً، فتتحمس وتتطلع للقائه، وتقترب منه بابتسامة واسعة وتقديرٍ كبير، ثم بعد دقائق قليلة من الحديث تدرك أنك ارتكبت خطأً كبيرًا، خطأ لا يكمن في الشخص نفسه بالضرورة، بل في تلك الصورة المثالية التي رسمتها له في خيالك، والتي لا علاقة لها بالواقع!
بعض هؤلاء الرائعين، للأسف، يتضح أنهم رائعون فقط في النصوص، في التغريدات، أو في القصائد التي تُغنّى، كأنهم لا يجيدون سوى أن يكونوا مذهلين على الورق، وحين يجلسون معك وجهًا لوجه، تكتشف أن حكمتهم تتلاشى، وأن العمق الذي شدّك إليهم يختفي وراء شخصية عادية جدًا، أو ربما مزيفة بشكل محبط!
والبعض الآخر منهم، رغم أنهم ليسوا مزيفين، فإنك لا تستطيع تقبّل رفقتهم، والسبب ببساطة هو أنه ليس كل شخص تثير إعجابك أفكاره يصلح بالضرورة لأن يكون صديقًا مقربًا، فقد يكون الحوار بينكما جافًا أو ثقيلًا، أو ربما يكمن هناك شيء خفي في الكيمياء الإنسانية يمنع الانسجام بينكما، ففي نهاية الأمر، نحن لا نختار الأصدقاء من خلال الأفكار وحدها، بل من خلال مساحة الراحة، التي نشعر بها في وجودهم.
المشكلة تكمن في خلطنا الدائم بين الإعجاب الفكري والتوافق الشخصي، فنعتقد أن من يعجبنا فكره يجب أن يكون صديقًا مناسبًا، وهذا ما يُسبب لنا الإحباط عندما نكتشف الحقيقة لاحقًا، وأحيانًا يكون اللقاء الشخصي هو أسوأ قرار نتخذه تجاه أشخاصٍ أعجبونا عن بُعد، لأنه يفسد علينا تلك الصورة الجميلة، التي كنا نحب الاحتفاظ بها، ويحوّل شخصًا كان ملهمًا جدًا إلى شخص عادي بشكل محبط!
ربما يكون الدرس الحقيقي من هذه التجارب هو ألا نبالغ في تخيل الأشخاص كما نريدهم، وألا نربط إعجابنا بأفكارهم أو كتاباتهم أو فنّهم بالرغبة في الاقتراب منهم بشكل شخصي، فبعض الأشخاص والأشياء والأفكار يفضّل أن يظلوا بعيدين وجميلين، لأنك إذا اقتربت منهم كثيرًا، لن تجد سوى شخص ممل يجلس معك في المقهى، وأنت تسأل نفسك بندم:
«متى سينتهي هذا اللقاء؟».
وفي النهاية، تذكّر يا عزيزي هذه الحكمة، فربما يكون بعض الجمال أروع... حين يُشاهَد عن بُعد!
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
الزواج... عقد يحتاج تجديداً! / يوم قرأتُ اسمي... في صفحة الوفيات!
