من اكتئاب لاكتئاب
عمري أربعة وعشرون عاماً، قد أبدو صغيرة السن ولكنني رأيت الكثير؛ من طلاق والديّ، إلى أخٍ مدمن، وتفكك أسري مع العائلتين، وصولاً إلى اكتئاب حاد، وغير ذلك. لا يوجد أحد في حياتي يعرف أي شيء من هذا، لأنني أُجيد الإخفاء جيداً وأقول إنني بخير.
لكنني لم أكن بخير يوماً، ولم أشعر بالأمان طوال عمري، ولا شعرت بأن لي سنداً أو أحداً أتكئ عليه. لم أكن متفوقة في دراستي، ولكنني حصلت على ثلاث شهادات بدلاً من واحدة، واشتغلت في مجال رابع، وهو وإن كان بلا مستقبل، إلا أنه أفضل من الجلوس وسط أهلي.
لا أعرف لماذا أحكي كل هذا، ولكنني أشعر بأن وجع كل هذه السنين قد ثار عليّ الآن، لمجرد أنني هُمشت من قِبل زميل لي كان معي في العمل. كانت علاقتنا زمالة فقط حتى انتقل إلى مكان آخر، وفور انتقاله كان يحادثني باستمرار ويطمئن عليّ ويطلب مقابلتي، وأنا كنت أوافق لأنني كنت أراه إنساناً صالحاً أنا الغبية لأنني أظن الجميع صالحين. اختلفنا معاً ذات مرة أثناء خروجنا، ومن بعدها اختفى.
حاولت إصلاح الأمر وإرضاءه، لكنه قال إن لا شيء هناك ولم يحادثني بعدها، غير أن أخباره تصلني بأنه في أفضل حال. هو ليس أول صديق يقترب مني رغم أنني كنت أصد الجميع، ولكن هذا الشخص هو من كنت معجبة به حقاً، وكان لدي أمل أن نكمل معاً.
أشعر أنني مقبلة على نوبة اكتئاب جديدة، ولا أعرف كيف أكون بخير على الإطلاق. لا أعرف لماذا اقترب عندما رحل، ولماذا اقترب أساساً ما دام لن يحاول أن نتفاهم؟
لا أفهم شيئاً، ونفسي عزيزة عليّ جداً لأنني لا نصيب لي في أي شيء.
19/8/2026
رد المستشار
"ضحى"، أول شيء أريدك أن تعرفيه هو أن ما تشعرين به ليس غباءً، وليس ضعفًا، وليس دليلًا على أنك «لا نصيب لك في شيء». أنتِ في الرابعة والعشرين، لكنك حملتِ خلال سنوات قليلة أشياء أكبر بكثير من قدرتك الطبيعية على الاحتمال: طلاق الوالدين، الإدمان داخل الأسرة، التفكك، غياب الإحساس بالسند، ثم مررتِ باكتئاب شديد، ومع ذلك واصلتِ الدراسة والعمل وحصلتِ على ثلاث شهادات. هذا يخبرني بشيء مهم جدًا عنك: أنتِ لم تكوني ضعيفة، أنتِ كنتِ تحاولين النجاة وحدك لفترة طويلة.
ولهذا أعتقد أن ما حدث مع زميلك لم يكن مجرد خلاف مع شخص أعجبتِ به. ربما كان رحيله قد لمس بداخلك سؤالًا أقدم بكثير: «هل سيبقى أحد عندما أحتاج إليه؟» «هل يمكن أن يقترب مني شخص ثم يتركني؟» «هل أنا فعلًا لا أستحق أن يختارني أحد؟» وهنا يصبح الألم أكبر من حجم الموقف نفسه.
أما سؤالك: «لماذا اقترب إذا كان سيرحل؟» فالحقيقة أننا لا نستطيع أن نعرف دوافعه على وجه اليقين، ولا أريد أن نجعل تعافيكِ متعلقًا بفهم دوافعه. ربما كان معجبًا، وربما شعر بالارتياح معك، وربما كان يريد علاقة ثم تراجع، وربما لم يكن يعرف ماذا يريد أصلًا. لكن الشيء الذي نعرفه هو أنه اختار الابتعاد بدلًا من معالجة الخلاف، وهذا مؤلم، لكنه لا يحدد قيمتك.
وأريدك أن تنتبهي إلى نقطة مهمة جدًا: عندما قلتِ «نفسي عزيزة عليّ جدًا لأنني لا نصيب لي في أي شيء»، فأنا أسمع في كلامكِ قدرًا كبيرًا من اليأس، ولذلك لا أريد أن نتعامل مع الأمر باعتباره مجرد حزن على شخص.
أحتاج منكِ أن تسألي نفسكِ بوضوح: هل وصل بكِ هذا اليأس إلى التفكير في إيذاء نفسك أو إنهاء حياتك، أو تمنيتِ أن تموتي أو ألا تستيقظي؟ إذا كانت الإجابة نعم، حتى لو كانت الفكرة عابرة، فلا تبقي معها وحدكِ. أخبري شخصًا تثقين به اليوم، واطلبي تقييمًا مباشرًا من مختص بالصحة النفسية، خصوصًا أنكِ تقولين إنكِ تشعرين باقتراب نوبة اكتئاب جديدة.
أما إذا لم توجد أفكار لإيذاء نفسك، فنحن لا نحتاج الآن إلى حل حياتك كلها، ولا إلى معرفة لماذا رحل هذا الشخص. نحتاج أولًا إلى أن نفصل بين شيئين: ما فعله هو، وما يعنيه ذلك عنكِ. هو ابتعد → هذه حقيقة. أنتِ لا تستحقين الحب → هذه ليست حقيقة، وإنما استنتاج صنعه الألم.
وأريد منكِ في الفترة القادمة ألا تحاولي استرضاءه أو مطاردته أو البحث عن أخباره. ليس عقابًا له، وإنما حماية لكِ من استمرار تغذية الجرح.
وفي الجلسات القادمة سنعمل على شيء أعمق من هذه العلاقة: سنحاول أن نفهم لماذا أصبح الأمان بالنسبة لكِ مرتبطًا بوجود شخص آخر، وكيف تبنين داخلكِ إحساسًا بأن لكِ سندًا وقيمة حتى عندما يرحل شخص.
وأريدكِ أن تتوقفي عن وصف نفسكِ بالغبية لأنكِ ظننتِ أنه إنسان صالح. الثقة ليست غباءً، وحسن الظن ليس عيبًا. الذي نحتاج أن نتعلمه هو كيف نثق تدريجيًا، وكيف نضع حدودًا، وكيف نراقب اتساق أفعال الناس مع كلامهم.
وأخيرًا، لا تقيسي مستقبلكِ كله بما حدث مع شخص واحد. أنتِ لم تفشلي في الحب، ولم تفقدي نصيبكِ، ولم تنتهِ فرصكِ. أنتِ فقط متعبة جدًا، وهذا الموقف فتح جرحًا قديمًا.
والإنسان عندما يكون جرحه قديمًا لا يحتاج إلى لوم نفسه لأنه تألم من جرح جديد؛ يحتاج إلى أن يبدأ أخيرًا في علاج الجرح كله.
واقرئي أيضًا:
تركني محتارة وراح: أحب ولا أرتاح
تركني وذهب من دون سبب!!!
أحبني وتركني بعد الوشاية
تركني وسافر: أول صدمة في الحياة
تقدم إلي وتركني بدون سبب!!
تركني.. لماذا؟؟