مساء الخير
أعيش مع والديّ بسبب حالة والدي الصحية. لم أتمكن من الالتحاق بالجامعة، وقد مرّت حوالي ثماني سنوات منذ ذلك الحين. تأقلمت مع وضعي وأحمد الله على ما أنعم به عليّ. أصبحتُ مسؤولة بشكل شبه كامل عن رعاية والديّ ووالدتي والمنزل، وأعتبر ذلك نعمة عظيمة أن اختارني الله لأداء هذا الدور. لم أشعر بالضيق قط؛ بل على العكس، أقوم به بإخلاص ابتغاء مرضاة الله.
مع أن لديّ إخوة، إلا أن والدي يشعر براحة أكبر عندما أتولى كل شيء عنه. حتى أنه لا يسمح لهم بقص شعره. يشعر بالاطمئنان بوجودي، وهذا يؤثر فيّ بشكل كبير، خاصةً أنني أتذكر والدي عندما كان قويًا كالجبل. الآن يؤثر مرضه عليّ بشدة.
أشعر بالإرهاق الشديد من كل هذا، وأنا دائمًا في حالة حركة ونوم من شدة التعب وأنا جالسة. ليس لديّ أي وقت لنفسي. أشعر وكأنني أُثقلتُ بالأعباء قبل أن أتقدم في العمر.
أصبحتُ قلقةً دائمًا، والدموع تملأ عيني، وأشعر وكأنني فقدتُ بريقي، ولم أعد كما كنت. لهذا السبب، أرى الزواج صعبًا، فأسرتي بحاجة إليّ، ولا أستطيع تركهم في وضعهم الصحي الحالي. لكن في أعماقي، أتوق إلى من يشاركني همومي، ويواسيني، ويكون بجانبي، ويمنحني القوة، لكنني لا أعرف كيف سيحدث ذلك. بالكاد أغادر المنزل...
أشعر بالإرهاق والتعب باستمرار. هل ذنبي أنني فضّلت رعاية أسرتي على حياتي وراحتي؟ هل أنا ظالمة لنفسي؟
والسؤال الأهم الذي يدور في ذهني هو: هل سيُباركني الله ويُعوّضني بخير؟ حتى لو تأخر الجزاء...
هل سيمنحني الله يومًا ما السلام ويُريح قلبي؟ أحتاج أن أسمع ما يُطمئن قلبي.
12/3/2026
رد المستشار
عزيزتي "جاكلين"، مساء الخير.
ما قرأته في رسالتك يعكس قلبًا محبًا ومسؤولًا، وشخصية تحملت دورًا كبيرًا بدافع المحبة والإيمان. أن تختاري البقاء إلى جوار والديك في وقت مرض واحتياج ليس أمرًا بسيطًا، بل هو موقف إنساني عميق يدل على إخلاصك ووفائك. كثيرون يتمنون أن يكون إلى جوارهم في المرض شخص يعتني بهم بهذا القدر من الحنان والاهتمام.
لكن من المهم أيضًا أن أقول لك بوضوح: شعورك بالإرهاق والقلق والبكاء ليس علامة ضعف، بل هو رد فعل طبيعي لما يسمى في علم النفس إجهاد مقدمي الرعاية. عندما يتحمل شخص واحد لفترة طويلة مسؤوليات كبيرة دون وقت كافٍ للراحة أو للحياة الشخصية، يبدأ الجسد والنفس في إرسال إشارات تعب مثل ما وصفته من إنهاك دائم، ونوم من شدة الإجهاد، وشعور بأن بريقك بدأ يخفت.
وهنا نقطة مهمة جدًا: محبتك لأسرتك لا تعني أن عليك أن تلغي نفسك بالكامل. العطاء الحقيقي يحتاج إلى قدر من التوازن، لأن الإنسان إذا استنزف نفسه تمامًا قد يصل إلى مرحلة لا يستطيع فيها الاستمرار بنفس القوة. لذلك من حقك أن يكون لك وقت صغير لنفسك، ولو بسيطًا خلال اليوم: ساعة للراحة، لهواياتك مثل الرسم أو الطبخ لنفسك، أو حتى الخروج القصير لاستعادة طاقتك النفسية.
أما سؤالك المؤلم: هل ظلمتِ نفسك؟
الحقيقة أنك لم تظلمي نفسك عندما اخترتِ أن تكوني ابنة بارة ومحبة، لكن المهم الآن أن تتعلمي كيف تعتنين بنفسك أيضًا وأنت تقومين بهذا الدور، لأنك إنسانة لها احتياجاتها ومشاعرها وأحلامها.
وفيما يخص خوفك من المستقبل والزواج، من الطبيعي أن يتوق قلبك لشخص يشاركك الحياة ويدعمك. وجود هذا التوق لا يتعارض مع إخلاصك لأسرتك. الحياة لا تسير دائمًا بالطريقة التي نتخيلها الآن؛ أحيانًا يفتح الله أبوابًا لم نكن نتوقعها، ويأتي التعويض في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة.
أما سؤالك الأعمق: هل سيعوضك الله؟
الإيمان المسيحي يعلّمنا أن المحبة والتضحية لا تضيع عند الله، وأن الله يرى تعب القلب حتى عندما لا يراه الناس. وقد قال الرب في الكتاب المقدس:
"أكرم أباك وأمك لكي تطول أيامك على الأرض" (خروج 20: 12).
هذه الوصية ليست مجرد واجب، بل وعد أيضًا بأن البر بالوالدين يحمل بركة في حياة الإنسان. ما تفعلينه ليس تضحية ضائعة، بل عمل محبة له قيمة عظيمة عند الله.
حاولي فقط أن تتذكري أنك لستِ مطالبة بأن تكوني قوية طوال الوقت. من حقك أن تتعبي أحيانًا، وأن تطلبي دعم إخوتك ولو في بعض الأمور، وأن تمنحي نفسك لحظات صغيرة من الراحة. العطاء يستمر عندما يجد القلب من يعتني به أيضًا.
أنتِ لم تفقدي بريقك كما تشعرين الآن؛ أنتِ فقط مرهقة. ومع بعض الدعم والاهتمام بنفسك سيعود هذا البريق تدريجيًا.
أتمنى لك سلامًا داخليًا وقوة، وأن يملأ الله قلبك تعزية ورجاء في الأيام القادمة.
واقرئي أيضًا:
حائر بين الهجرة ورعاية أمي
أهاجر أم أراعي والدي؟ أنت وفلسفتك!