أنا وأبي
لا أدري ماذا أقول. ربما ما سأكتبه غير مترابط، لكنني أكتب هذا لكي يُقدّر كل أب يقرأه علاقته بابنته. لأنني أقسم أن علاقتك بابنتك هي الشيء الوحيد الذي يُسيطر على حياتها ونفسيتها. أبي لا يُحبني، أو ربما يُحبني، لكن بأبشع صورة ممكنة، أو بأي فتاة أخرى، أن تُحب من والدها. طوال حياتي، كوني الابنة الكبرى، شهدتُ شجاراته مع أمي، وخيانته المتكررة، وإهماله لها.
في الوقت نفسه، رأيتها مُحطمة ومتألمة وهي تُفضي إليّ بأسرارها... تُفضي إليّ، ابنتها التي تصغرها بـ ٢٣ عامًا، لأنها لا تملك أخوات ولا تُريد أن تسمع عائلتها تقول: "أنتِ من جلبتِ هذا على نفسكِ"، أو "طلّقي". هي لا تريد الطلاق من أجل بناتها وأبنائها الآخرين. أما والدي، فبسبب خياناته وعلاقاته المتعددة بالنساء طوال حياته، أصبح... هو دائماً ما يشكك في سلوكي ويرى فيّ دائماً أنني غير كفؤة، رغم أنني أعيش لأعيل أمي وإخوتي وأهمل نفسي.
حتى أموالي - فأنا مهندسة، ماهرة جداً في عملي، ولدي دخل جيد - تذهب كلها إليهم فلا يشعر أي منهم بالحاجة إلى شيء، لمجرد أن والدي لا يريد أن يوفرها. ولكن ماذا جنيت في النهاية؟ أنا مجروحة نفسياً، منجذبة إلى رجال ذوي شخصيات مشابهة سيلحقون بي نفس الألم، ولكن هذه المرة سأكون أنا من يلعب الدور. سأكون الزوجة أو الأم التي تضطهد ابنتها، وهذا قد يقتلني.
ارتكبتُ أخطاءً كثيرةً لأني لم أجد الحب والقبول من والدي، وحاولتُ جاهدةً إصلاح الأمور والتقرب منه، لكن نظرته إليّ لم تتغير، ليس فقط لأني فتاة... أو حتى لمجرد أنني أنا. يُعامل جميع الفتيات الأخريات بلطف، لكن عندما يتعلق الأمر بي، لا أعرف لماذا هو قاسٍ وجافٌّ هكذا. لم ينجح هذا الأمر معي قط. كمعظم الفتيات، لديّ حاجة عاطفية قوية، لكن هذا دفعني للجوء إلى أشخاص يشبهونه، على أمل أن أغيّر فيهم ما لم أستطع تغييره في والدي. كان هذا، بالطبع، خطأً، ودفعته غالياً.
الحمد لله، أنا أدرك كل المشاكل النفسية التي سببها لي، وأحاول مواجهتها. حتى اختيار شريك حياتي الآن يتطلب تفكيراً أكثر من العاطفة. أختار شخصاً يرغب في أن يكون أباً ويتوق إلى البنات لأني نشأتُ على الاعتقاد، للأسف، أن إنجاب البنات عار (عبارة كان والدي يرددها عليّ طوال حياتي لأي خطأ، مهما كان صغيراً). لطالما كان قلبي، بطبيعة الحال، يختار الخيارات الخاطئة، ولن أهدر مشاعري مرة أخرى. حتى وإن لم يكن الاختيار بعقلي هو الصواب، فإن الأهم هو ألا تعاني ابنتي ولو جزءًا بسيطًا مما أشعر به يوميًا.
لا أعرفها بعد، لكن لا يجب أن أخونها، حتى عند اختيار والدها. أتمنى لو كنت تحبني يا أبي. أتمنى لو لم نكن بعيدين هكذا، نتبادل النظرات إليك من بعيد، وقلبي يتألم.
رغم كل هذا، ما زلت أحبك وأتوقع منك الكثير، وأعلم أنني لن أحصل إلا على خيبة الأمل كالعادة.
11/4/2026
رد المستشار
أهلا وسهلا بك بشمهندسة ونأمل أن نكون عونا لك في محنتك، سأبدأ معك بتحليل الموضوع، فهذا قد يجعل رؤيتك له أوضح وأسهل، فما تعيشينه يُعرف بجرح الأب، وهو لا يعني فقط غياب حبه، بل تشوّه طريقة استقباله، ففي حالتك الأب موجود جسديًا، لكنه متعدد العلاقات خارج إطار الزواج، وهو شخص ناقد وشكاك، ويرفضك كأنثى كنموذج يذكره بمن يتعرف عليهم، وهذا خلق رسالة داخلك فحواها أنا غير مستحقة للحب أو يجب أن أتعب لأحصل عليه.
والدتك بحكم ألمها وغياب رفقتها وأهلها حولتك من إبنة إلى صديقة، ومستودعة أسرار، وداعم نفسي لها وبالتالي قامت بعكس الأدوار معك، وحرمتك من أن تكوني "طفلة"، وذودت شعورك الدائم بالمسؤولية، وجعلتك تضحين (حتى بأموالك وحياتك)، وسببت لك شعوراً بالذنب إذا فكرتِ في نفسك وحياتك فأصبحت تعيشين لأجلهم فقط فانكسر عندك التوازن النفسي بين احتياجاتك ومسئولياتك.
ولو انتقلنا إلي نمط التعلق الأبوي لديك Attachment Pattern سنجد أنه يميل إلى التعلق القلق والتعلق بالمُؤذي، فعقلك تعلّم أن الحب يساوي الألم مع الرفض، لذلك تنجذبين إلى رجال يشبهون والدك، غير عاطفيًن أو متقلبين ليس لأنك تريدين الألم، بل لأن داخلك يقول هذه هي اللغة التي أفهمها للحب.فأخطر نقطة ذكرتِيها (أحاول أن أغير فيهم ما لم أستطع تغييره في والدي)، وهذا يسمى إعادة تمثيل الصدمة حيث تختارين نفس النموذج، وتحاولين إصلاحه، فتفشلين، فتتأكد الفكرة القديمة أنك لست كفء للحب أو للعلاقات.
وللأسف الشديد قام والدك بتشويه الهوية الأنثوية عندك، فعبارة مثل إنجاب البنات عار ليست مجرد كلمات بل زرعت داخلك صراعًا مع هويتك كأنثى، وولدت داخلك إحساس خفي بالدونية، وخوف من أن تكوني غير مرغوبة، فحاولت إثبات قيمتك عبر العطاء أو التضحية.
وهذا جعلك تنتقلين لا شعوريا إلي التضحية المرضية، فأنتِ في الواقع ناجحة ومستقلة وقوية، لكن في العمق لا تعيشين لنفسك ومواردك تُستنزف، وحدودك مع الآخريين ضعيفة أو غير موجودة، وهذا ليس كرمًا بل نمط نفسي بأن تكون التضحية سبيلا لتعويض نقص الحب المرغوب.
أنتِ الآن في صراع بين قوتين، فقلبك يريد الحب، وما زال متعلقًا بالأب، ويأمل أن يتغير، وعقلك واعٍ، وحذر، ويحاول كسر هذه الدائرة وكسر التعلق المرضي القلق، وهذا الصراع يخلق تعب نفسي وحيرة في الاختيار، وخوف من تكرار الماضي الذي عشته.
فاختيارك لشريك يريد البنات قد يكون مضللًا، لأن المشكلة ليست فقط في موقفه من البنات، بل في نضجه العاطفي وقدرته على الاحتواء واستقراره النفسي وإلا قد تعيدين نفس الألم لكن بشكل مختلف ومع شخص مختلف.
لماذا لا يتغير والدك معك؟ لأنك تمثلين له ضميرًا يزعجه، أو صورة أنثوية يسيء فهمها، أو لأنه يفرغ تشوهاته على الأقرب منه، ويُجمل صورته مع الآخرين.
الخلاصة
أنتِ تعانين من منظومة كاملة تشكلت من أب مؤذٍ وأم منهكة ودور مبكر أكبر من عمرك واحتياج عاطفي غير مشبع. لكن هناك شيء مختلف فيكِ، فأنتِ لم تنكري الألم ولا نمط تعلقك ولا الأخطاء التي تعرضت لها أو شاركت فيها وهذا يجعلك قادرة فعليًا على كسر السلسلة.
عليك
1. فصل حبك عن شخصية وقيم والدك وليس المطلوب كرهه، بل قولي لنفسك أنا أحبك لكنك لن تحدد قيمتي.
2. كسر دور المنقذة فأنت لستِ مسؤولة عن إنقاذ أمك ولا عن تعويضها عن تقصير والدك.
3. إعادة تعريف الحب، فالحب ليس إثبات لمبدأ ولا معاناة تعيشينها، ولا انتظار تغيير شخص،بل
هو العيش مع شخص يشعرك بأمان و احترام مع ثباته في المواقف غالبا.
عزيزتي أنتِ لا تخونين ابنتك المستقبلية إذا أخطأتِ في الاختيار مرة أخرى، لكن تخونين نفسك إذا استمريتِ في تجاهل احتياجاتك.
ضعي معايير صحية لإختيار شريك حياتك فلا تبحثين عن شخص يعوّضك عن أبيك ولا يُشعرك بأنك مقبولة بل تحتاجين رجلًا لا يجعلك تدخلين في هذا الصراع أصلًا، فإذا شعرتِ أنك تحاولين كسب حبه واستمراره معك فهذا إنذار أن علاقتك به في خطر.
ضعي معايير أساسية غير قابلة للتفاوض أهمها الشعوربالأمان العاطفي، فاسألي نفسك هل أرتاح أم أتوتر عندما أكون معه؟ هل أخاف أن يُسيء فهمي؟ هل أراقب كلماتي وأنا معه؟ فالشريك الصحي لا يجعلك تمشين على أطراف أصابعك، ولا يستخدم الصمت كعقاب ولا يشكك في نواياك، فإذا شعرتِ أنك تحتاجين أن تشرحي نفسك كثير فهذا يعني شعورك بغياب الأمان.
أخطر شيء في نمطك هو الانجذاب للرجل المتقلب، فابحثي عن شريك ثابت في اهتمامه بك ولا يختفي فجأة ولا يربكك لأنه واضح المباديء والأهداف في علاقتكما.
اختاري شخص يحترم الحدود Boundaries، ولا يرى رفضك لأمر تهديدًا، ولا يعاقبك عاطفيًا إذا تمسكت بحقوقك الإجتماعية المتعارف عليها.
اختاري شخصا ناضجا في علاقاتة مع النساء، فراقبي كيف يتكلم عن أمه؟ وعن أخته؟، وعن علاقاته النسائية السابقة؟ فإذا وجدت في كلامه (كل البنات كذا، لوم دائم للمرأة، وجود تاريخ لخيانات أو إيذاءات) فاعلمي أنه لن يستثنيك.
اختاري شخصا يتحمّل المسؤولية وعند الخطأ يعتذر بوضوح ولا يبرر أو يقلب عليك الموضوع ويهاجمك أو يهرب من المواجهة.
اختاري شخصا واعٍ بمشاكله ويعمل على نفسه بوعي وأهدافه محددة فيعرف ماذا يريد، ويريد علاقة جادة ولا يستهلك وقتك عاطفيًا.
اختاري شخصا لا تشعري بالحاجة لإنقاذه أو تغييره فهذا هو فخك الأساسي.
اختاري شخصا لا يكون نسخة أخف من والدك فالعقل لا يختار نسخة مطابقة بل نسخة مخففة تبدو آمنة.
اختاري شخصا لا يجعلك تشعرين أنكِ محظوظة بقبوله لك، أو يشعرك أنك أقل منه ، فهذا إعادة للجرح القديم.
وأخيرا اسألي نفسك بعد 3–4 لقاءات هل أشعر بالهدوء أم التوتر؟، هل هو واضح أم محيّر؟، هل أحاول إثبات نفسي؟، هل أرى أفعالًا أم كلامًا فقط؟ فإذا ظهرت لديك حيرة قوية، توقفي فهذا إنذار أنه غير مناسب.
انسحبي فورًا في حالة وجود تقلب شديد في الاهتمامات لديه، أو انتقاد مبطن لك، أو غموض في النية، أو إذا لعب معك دور الضحية دائمًا، أو في وجود علاقات نسائية غير صحية، أو يجعلك تشعرين بالذنب عند وضع حدود.
وفقك الله وتابعينا
واقرئي أيضًا:
أبي نرجسي وسادي... ربما!
كالعادة أبي يخون وأمي تشتكي!!
أحيا في جلباب أبي: كان نفسي يحبني!
أبي همي الكبير.. لماذا؟!