«أنا آسف»، كلمتان بسيطتان يُفترض أن تكونا جسراً للمصالحة، لكنهما أحياناً تتحولان إلى حجر يُلقى في بركة هادئة، فيُعكّر صفوها بدل أن يُصلح ما أفسده الزمن، فليس كل اعتذار يشفي، وليس كل «آسف» تستحق القبول، وهنالك اعتذارات تُثير الغضب أكثر مما تُطفئه، وتفتح الجراح بدل أن تُضمّدها، وتجعلك تتساءل، هل جاء ليعتذر فعلاً... أم ليُريح ضميره على حسابي؟ أسوأ أنواع الاعتذار ذلك الذي يأتي خالياً من الندم الحقيقي، كأن يقول صاحبه «أنا آسف إن كنتَ شعرت بالإهانة»، لاحظ معي كيف حوّل المشكلة من فعله إلى شعورك، وكأن الخطأ ليس فيما فعل بل في طريقة استقبالك، هذا ليس اعتذاراً اقرأ المزيد
الأمم بدساتيرها وعندما تخلو منها تتناهبها النواكب والتداعيات والصراعات البينية على السلطة، فتنتهي كقيمة ووجود ويعلو مقام الكراسي وتتحقق المآسي. سيقولون إن الأمة دستورها القرآن، لكنه خضع لما لا يحصى من التأويلات والتفسيرات التي جردته من جوهر آياته ومعانيه، وصار القول الفصل لأدعياء الدين من الفقهاء ووعاظ الكراسي والسلاطين. منذ وفاة سيد الكائنات ومفهوم ولاية العهد والتوريث تفعل فعلها في حياة الأمة، وهي مأخوذة من أنظمة الحكم القائمة في أمم الدنيا الأخرى التي عاصرت انطلاق ثورة الإسلام. الرسول أرادها وأمرهم شورى بينهم، لإدراكه بتبدل أحوال الزمان والمكان، والناس عليها أن ترى ما ينفعها، فليس من الصالح أن يعين الراحلون ما يجب أن يكون عليه الحاضرون. اقرأ المزيد
من مشاكلنا السلوكية المزمنة، أننا كأفراد وجماعات وأحزاب وغيرها، عندما نتفاعل، لا نتخاطب مع بعضنا وإنما نتكلم عن بعضنا. وهناك اختلاف سلوكي نفسي وفكري ما بين أن نتكلم عن بعضنا وبين أن نتكلم مع بعضنا. ففي الحالة الأولى نطلق لسان عواطفنا وانفعالاتنا، ونستخدم آلية الإسقاط بعنف وقسوة وإمعان لتحقيق المشاعر السلبية والتعبير عن إرادتها المؤذية، مما يؤدي إلى التخاصم والتشاجر والعدوان والبغضاء، حيث ستنطلق آليات الإنكار والدفاع والتعميم والتبرير والعناد وغيرها من الآليات، التي تنتهي بنا إلى حالة الشك المروّع والخوف الشديد من بعضنا، فيضيع الأمان وتفقد الحياة معانيها ومعاييرها اللازمة للبقاء والتفاعل الإنساني الخلاق. أما عندما نتكلم اقرأ المزيد
ذاكرة الأمم والشعوب ينبوع إلهام وبوصلة مسار نحو جوهر ذات وهوية، ولابد للمجتمعات أن تصون ذاكرتها الإيجابية ولا تكرس ما هو سلبي في مسيرتها. الأمة تتعرض لهجمة تستهدف دفن ذاكرتها وتأكيد أنها بلا ذاكرة إيجابية، فتأريخها المستحضر سفك دماء وغزوات وتفاعلات توصف بالسيئة ذات الصراعات البينية المهينة. مَن الذي قدم لنا تأريخنا بهذه الصورة؟ لماذا يتم طمس ما هو إيجابي وأصيل؟ وفي القرن العشرين تحقق صناعة تأريخ لا يتفق وحقيقة الأمة وقوتها المادية والفكرية اقرأ المزيد
في «الزوارة» العائلية، تجلس فتاة ثلاثينية تبتسم بارتباك، بينما قريبتها تسألها بحماسة: «ليش ما تزوجتي لليوم؟»، سؤال قد يبدو بريئاً، مجرد دردشة عائلية عادية، لكن تلك القريبة لا تعلم أن الفتاة التي توجه سؤالها لها قد دفنت قصة حب مؤلمة منذ شهور، وأنها ترفض العرسان لأسباب لا تريد شرحها لأحد، ولضرورات اللياقة الاجتماعية تجد الفتاة نفسها مضطرة للإجابة التي تأتي مختصرة: «والله ما صار نصيب للحين»، تقولها وابتسامتها المصطنعة قد تشي بأسرارها، بينما القلب ينزف ألما! هذا المشهد يتكرر يومياً بأشكال مختلفة، فالفضول الاجتماعي عندنا يتنكر بخبث في ثوب الاهتمام، فتنهمر الأسئلة التي تبدو عابرة لكنها تنبش جراحاً عميقة، سؤال عن الإنجاب، و«ما كو شيء في الطريج» للزوجة التي أجهضت مراراً، اقرأ المزيد
الثابت أن الموجودات في وعائها الدوّار تتغير ولا تستطيع الثبات على حالة واحدة، فما كل موجود يغيّر لكن كل موجود يتغيّر. النشاطات التي يمارسها المخلوق الحي تتسبب بتغيِّره، وربما تغيَّر شيئا مما حوله، لكن القول بأنها ستغيِّر حتما لا يوجد دليل قاطع عليه، فالبلايين من البشر التي سعت فوق التراب تغيَّرَتْ، والقليل جدا منها غيّر. وهذا ينطبق على كافة ميادين الحياة، فالشعراء – على سبيل المثال – ربما يتغيرون بعد كل نص يكتبونه، لكن النص لا يغير ما حوله، ومعظم الشعر يمر كالماء فوق الرمال، ويوجد شعراء قليلون غيَّروا ما حولهم وكان لهم أثر على سلوك البشر، وهم المقربون من الكراسي الفاعلة في المجتمع. اقرأ المزيد
«من أول يناير رح أبدأ الذهاب للنادي»، «السنة الجايّة راح تكون مختلفة!»، «هذه المرة الموضوع مختلف وخططي المؤجلة سأبدأ في تحقيقها، أخيرا»... عبارات نرددها بحماس كلما اقترب رأس السنة، نكتب قوائم طموحة، ونضع خططاً محكمة، ونشعر بطاقة إيجابية حقيقية، ثم يأتي فبراير لنجد أنفسنا نفس الأشخاص، بنفس العادات، والفرق الوحيد أننا أصبحنا أكثر خيبة من أنفسنا! لنكن منصفين، للتواريخ قيمة رمزية حقيقية، والبدايات الجديدة تحمل طاقة نفسية لا يمكن إنكارها، رأس السنة، بداية رمضان، عيد الميلاد، كلها محطات تمنحنا شعوراً بإمكانية البدء من جديد، وهذا ليس وهماً، بل حاجة إنسانية للتجدد والأمل، والمشكلة ليست في الرمزية ذاتها، بل في اعتقادنا أن اقرأ المزيد
قُتِلَ المتوكل سنة (247 هجرية)، (11\12\861) ميلادية، أي قبل (1164) سنة، ودفن في سامراء، وتذكر المدونات أن ابنه المنتصر بالله تآمر عليه مع الأتراك، لأنه كان يريده أن يخلع نفسه من ولاية العهد لتولية أخيه المعتز بالله، لتوسمه في الأول الغباء وفي الثاني الذكاء والموهبة، ويُقال أن حارسه الشخصي قتله بالسيف اليماني الذي اشتراه ليكون معه. وبعد مقتله فقد الخلفاء العباسيون هيبتهم ودورهم في الدولة، وعاشوا مأزومين مرعوبين تتحكم بهم قوى متعددة وتحسبهم رموزا لتمرير مطامعها، ومنهم مَن قتلوا شر قتلة وأهينوا، وجرت على رؤوسهم الويلات، فكأنهم الدمى التي تحركها القِوى التي جاءت بهم، ولهذا لم يبرز خليفة قوي بعد المتوكل، وكأن مقتله ك اقرأ المزيد
كانت تستيقظ فجراً منذ ثلاثين عاماً، تعد الإفطار، توقظ الأبناء، تجهز الحقائب، تراجع الواجبات، تمسح الدموع، تضمد الجراح الصغيرة، تحل المشاكل، تنام آخر الجميع، وتستيقظ أولهم، حياتها كلها دارت حول احتياجاتهم، وفجأة، تزوج آخرهم ورحل، والبيت الذي كان يضج بالحياة أصبح صامتاً، والهاتف الذي كان يرن طوال اليوم أصبح أخرس، والأم التي كانت محور الكون... أصبحت زائدة عن الحاجة! هذا المشهد المؤلم يتكرر بأشكال مختلفة، الطبيب الذي قضى عمره ينقذ الأرواح، يستيقظ صباح أول أيام تقاعده، ليجد أن لا أحد ينتظر مشورته، ولا مريض يحتاج لمسته الشافية، ولا طوارئ تستدعي خبرته، الهاتف صامت، اقرأ المزيد
الحروب لن تهدأ لأن الدول القوية تريد التخلص من أسلحتها التقليدية، بعد أن انطلقت في مشاريع الذكاء الاصطناعي والنانو تكنولوجي، فما عندها من أسلحة مهما كانت متطورة أو نووية أو ليزرية أو صواريخ فرط صوتية، فأنها تحولت إلى خردة أمام أهوال ما جلبه الذكاء الاصطناعي والنانوتكنولوجي من مخترعات لا تخطر على بال. فالحروب بمعايرها التقليدية التي تحققت في القرن العشرين، لن يكون لها دور في القرن الحادي والعشرين، فالحرب العالمية تجري وفقا لمعطيات القرن المعاصر بتقنياته التكنولوجية المتطورة. إن التعامل مع المواد والأدوات على مقياس النانو**، اقرأ المزيد


