حين أُعلنت نتائج الترقيات في ذلك الاجتماع، لاحظتُ كيف رسم زميلي ابتسامة سريعة وهزّ كتفيه قائلاً: «أنا أصلاً ما كنت مهتم»، ثم انصرف بخطوات تتظاهر بالثبات، لكن عينيه قالتا شيئاً مختلفاً تماماً، شيئاً يعرفه كل من اختبر ذلك الألم الصغير الذي نُغلّفه بغلاف الزهد ونُسمّيه زورا «قناعة»، ثم نمضي وكأن شيئاً لم يكن! كم من ترقية ادّعينا أننا لا نسعى إليها لأننا نعرف في قرارة أنفسنا أنها لن تأتي، وكم من علاقة تظاهرنا بأنها لا تعنينا لأننا نخشى أن نبدو ضعفاء أو محتاجين إن اعترفنا برغبتنا فيها، وكم من حلم قديم أقنعنا أنفسنا بأنه كان مجرد نزوة شباب وطيش مراهقة، لأن الاعتراف بأننا لم نحققه يؤلم أكثر من التظاهر بأننا لم نرده أصلاً ولم يكن يوماً على قائمة أحلامنا! هذه الآلية الدفاعية ذكية اقرأ المزيد
على مدى العصور كان الناس يبتكرون الوسائل القادرة على تخزين مياه الأمطار، وحتى في الدول الغربية كانت البيوت القديمة فيها خزانات لمياه الأمطار التي يستخدمونها في البيت لحاجات متنوعة. وهناك العديد من السدود التأريخية التي تساهم في تخزين مياه الأمطار في الوديان، وكذلك الأرض تساهم بكنز المياه التي نستخرجها بحفر الآبار. والأنهار في حقيقتها خزانات مياه، ولو أنها تجري نحو البحار، لعدم قدرتها على إستيعاب مياه المطر ولهذا إن لم تجد منافذَ لسكبها فأنها تفيض وتتسبب بسيول عارمة. والمجتمعات التي تتشكى من شحة المياه عليها أن تتعلم مهارات تخزين مياه الأمطار، في الوديان والأنهار والبحيرات الاصطناعية، وحتى في قلب الصحاري والفيافي، فالتقنيات اقرأ المزيد
الأكاديميون يخاطبوننا بمفردات لا تسترعي تفاعلنا وفهمنا، لأنها استعلائية تخصصية ذات رمزية وغموضية صعبة، بينما المتعارف عليه في مسيرتنا عبر العصور أنهم يبذلون جهدا متواصلا لتبسيط اللغة التي يعبرون فيها عن أفكارهم وطروحاتهم المتنوعة. هذا التباعد بين القارئ وما يأتي به الأكاديميون، رغم أهمية طروحاتهم، لكن التفاعل بينهم والمتلقين تكاد تكون معدومة، حتى الصفوة من الناس تعجز عن التواصل مع ما يطرحونه، وكأنهم يحسبون التعقيد والتصعيب في عباراتهم ومفرداتهم يدل على ثقافتهم، بينما الحقيقة تشير إلى أن الذي يعرف مادته الأكاديمية يقدمها بأبسط وأسهل لغة. فبسّطوا ولا تعقدوا، ففي البساطة قوة وقدرة على اقرأ المزيد
"فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير" الحج 28 "اللهم أني أعوذ بك من الكفر والفقر" حديث نبوي "الفقر الموت الأكبر" كما يقول الإمام علي (ع). الفقر الذي كاد أن يكون كفرا، يتغلغل في النفس البشرية فيعذبها ويحرقها في جحيم العوز الحرمان، الأليم اللئيم الذي يزأر في أعماق الفقراء كأنه وحش فتاك، هذا الفقر من واجبنا أن نحاربه بكلامنا وسواعدنا وعقولنا، ورحمتنا وكرمنا وزكاتنا وصدقاتنا ورأفتنا وحبنا، وديننا وعقيدتنا وإرادتنا وعزيمتنا وكل ما فينا من طاقات ممكنة، لقهره وتحرير البشر من سجونه وتخليصهم من براثن بطشه وعذابه. اقرأ المزيد
لا أجيد كتابة مقالات الرثاء، بل أتحاشاها عادةً لأنني أراها تقليدية ومكررة، لكنني اليوم سأكسر قاعدتي هذه، لأن الحياة علمتني أن بعض الراحلين يستحقون فعلاً أن تكسر لأجلهم... كل القواعد! في هذه الحياة أشخاص لا تربطك بهم صلة دم مباشرة، لكنهم يسكنون في منطقة من الروح لا يصلها إلا القليلون، أشخاص لم تخترهم الجينات بل اختارهم القلب بمحض إرادته، ولم تفرضهم شجرة العائلة بل فرضتهم لحظات صادقة تكتشف فيها أن بعض البشر يمر في حياتك لتتعلم منهم أن تكون إنساناً حقيقياً، وحين يرحل هؤلاء فإنهم يتركون فراغاً موجعاً لا تملؤه الذكريات مهما كثرت، ولا تعوضه الكلمات مهما وصلت من البلاغة، لأن قيمتهم ببساطة هي أكبر من مخزون الثناء الذي نملكه! اقرأ المزيد
العبثية تشير إلى شعور الإنسان بأن الحياة بلا معنى واضح أو هدف، ويبدو أن البحث عن معنى للحياة في مفاهيم بعض الفئات قد استحضر حالات، وأثار تساؤلات فارغة بلا محتوى حياتي معاصر ومنها: لماذا فلان لم يكن خليفة، ولماذا تقاتل الأَخَوان، ولماذا جعل هارون الرشيد ثلاثة أولياء عهد، ولماذا مضى على شاكلته المتوكل؟ هذه أسئلة كأمثلة تهيمن على الوعي الجمعي، وتستنزف الوقت وتسفك الدماء، وتتسبب بالفرقة والتلاحي المرير. فهل تساءل مدّعوها ما الفائدة منها، وقد حصلت قبل قرون عديدة؟ ما نقع الحديث في الغابرات والتوهم بالقدرة على تصحيح ما قد حصل؟ اقرأ المزيد
«أنا آسف»، كلمتان بسيطتان يُفترض أن تكونا جسراً للمصالحة، لكنهما أحياناً تتحولان إلى حجر يُلقى في بركة هادئة، فيُعكّر صفوها بدل أن يُصلح ما أفسده الزمن، فليس كل اعتذار يشفي، وليس كل «آسف» تستحق القبول، وهنالك اعتذارات تُثير الغضب أكثر مما تُطفئه، وتفتح الجراح بدل أن تُضمّدها، وتجعلك تتساءل، هل جاء ليعتذر فعلاً... أم ليُريح ضميره على حسابي؟ أسوأ أنواع الاعتذار ذلك الذي يأتي خالياً من الندم الحقيقي، كأن يقول صاحبه «أنا آسف إن كنتَ شعرت بالإهانة»، لاحظ معي كيف حوّل المشكلة من فعله إلى شعورك، وكأن الخطأ ليس فيما فعل بل في طريقة استقبالك، هذا ليس اعتذاراً اقرأ المزيد
الأمم بدساتيرها وعندما تخلو منها تتناهبها النواكب والتداعيات والصراعات البينية على السلطة، فتنتهي كقيمة ووجود ويعلو مقام الكراسي وتتحقق المآسي. سيقولون إن الأمة دستورها القرآن، لكنه خضع لما لا يحصى من التأويلات والتفسيرات التي جردته من جوهر آياته ومعانيه، وصار القول الفصل لأدعياء الدين من الفقهاء ووعاظ الكراسي والسلاطين. منذ وفاة سيد الكائنات ومفهوم ولاية العهد والتوريث تفعل فعلها في حياة الأمة، وهي مأخوذة من أنظمة الحكم القائمة في أمم الدنيا الأخرى التي عاصرت انطلاق ثورة الإسلام. الرسول أرادها وأمرهم شورى بينهم، لإدراكه بتبدل أحوال الزمان والمكان، والناس عليها أن ترى ما ينفعها، فليس من الصالح أن يعين الراحلون ما يجب أن يكون عليه الحاضرون. اقرأ المزيد
من مشاكلنا السلوكية المزمنة، أننا كأفراد وجماعات وأحزاب وغيرها، عندما نتفاعل، لا نتخاطب مع بعضنا وإنما نتكلم عن بعضنا. وهناك اختلاف سلوكي نفسي وفكري ما بين أن نتكلم عن بعضنا وبين أن نتكلم مع بعضنا. ففي الحالة الأولى نطلق لسان عواطفنا وانفعالاتنا، ونستخدم آلية الإسقاط بعنف وقسوة وإمعان لتحقيق المشاعر السلبية والتعبير عن إرادتها المؤذية، مما يؤدي إلى التخاصم والتشاجر والعدوان والبغضاء، حيث ستنطلق آليات الإنكار والدفاع والتعميم والتبرير والعناد وغيرها من الآليات، التي تنتهي بنا إلى حالة الشك المروّع والخوف الشديد من بعضنا، فيضيع الأمان وتفقد الحياة معانيها ومعاييرها اللازمة للبقاء والتفاعل الإنساني الخلاق. أما عندما نتكلم اقرأ المزيد
ذاكرة الأمم والشعوب ينبوع إلهام وبوصلة مسار نحو جوهر ذات وهوية، ولابد للمجتمعات أن تصون ذاكرتها الإيجابية ولا تكرس ما هو سلبي في مسيرتها. الأمة تتعرض لهجمة تستهدف دفن ذاكرتها وتأكيد أنها بلا ذاكرة إيجابية، فتأريخها المستحضر سفك دماء وغزوات وتفاعلات توصف بالسيئة ذات الصراعات البينية المهينة. مَن الذي قدم لنا تأريخنا بهذه الصورة؟ لماذا يتم طمس ما هو إيجابي وأصيل؟ وفي القرن العشرين تحقق صناعة تأريخ لا يتفق وحقيقة الأمة وقوتها المادية والفكرية اقرأ المزيد


